محرك البحث
جبل الكرد (عفرين) المثلث المقدس
احداث بعيون الكتاب 03 ديسمبر 2018 0

كوردستريت||مقالات

.

الكاتب شمس الدين حمو

.

أجمل الكلمات تلك التي لم نقلها بعد.

والتاريخ الحقيقي هو الذي لم نكتبه بعد.

     رغم أن أفلاطون ومن بعده كل الذين تبعوه اعتبروا اللغة وقفاً على الانسان وحده ,   إلا أن واقع الحال يثبت ’   أن كل الموجودات وكل الكائنات ,   تتحدث عن نفسها معلنة وجودها ,  مفصحة عن مكنوناتها ,  تنتظر من يقرأها ويفهم ما تقوله ,  ليست اللغة بكاملها وقف على الانسان وإنما تلقي الرسالة من المرسل (فهم الخطاب)هو الوقف على الانسان ,  لحد الآن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يقرأ في صفحات غيره وفي كامل الوجود ,  وحده يفهم خطاب الآخر ,  وحده يتحدث عن غيره ,  فكل الكائنات تتحدث عن نفسها أصالة ,  إلا الانسان يتحدث عن نفسه أصالة وعن غيره نيابةً.

     قراءات الانسان في صفحات الوجود اختلفت مع اختلاف التاريخ ,  فاختلفت رواياته في كل مرة سرد القصة ذاتها من قصص الوجود. فتعددت الروايات ,  وتبقى أروع رواياته هي تلك التي  رواها ,  وهو لم يزل جزءً من هذا الوجود ,  وقبل أن يخرج عليه ويعلن نفسه سيداً على كل موجود. في الروايات تلك كان يتحدث من داخل الوجود ليس من خارجه ,  فهو يتحدث من ذاك المكان كما لو كان يتحدث عن نفسه أو عن شطره الآخر ,  لا فرق بين المتحدث وموضوع الحديث ,  إنه حديث الفرد عن عائلته ,  حديث العاشق عن المعشوق.

.

      تلك هي الميثولوجيا بوصفها لغة للتواصل بين الانسان والكون ,  الكون كان مليئاً بالأرواح وروحه تنتمي اليها ,  وهي (الأرواح) قادرة على الفعل والفهم والتواصل ,  لا بل قابلة للاستمالة أو التنافر ,  متصفة بعضها بصفات الرحمة ,  وبعضها الآخر بصفات القهر والجبروت. وهو إذ يسرد تلك القصص وينسجها ,  يدفع الى الهوامش قصته التي لم يسردها ,  إنها قصة الانسان مؤلف روايات الوجود. تلك القصة المسكوت عنها هي الأجمل بين القصص.

     عصرنا هذا هو عصر القراءة بامتياز ,  في عصرنا هذا امتلك الانسان قدرات هائلة على القراءة ,  نقرأ في الأشياء تاريخَها ونسطَّر شهادات الميلاد ,  نقرأ في كل شيء حتى فيما بين السطور ,  نعم إن الانسان الحديث تفوق بقراءاته على الانسان في كل العصور التي سبقته ,  ولذلك انساننا المعاصر قادر على أن يعرف عن أجداده ما لم يعرفوا هم عن أنفسهم ,  ففضلاً عن قراءتنا في الوجود فإننا نقرأ في قراءاتهم ونستخرج ما لم يقولوه من الذي قالوه. إلا أن قراءتنا مهددة بأمر خطير ,  ألا وهو أن أفكارنا تمارس الحجب على عقولنا ,  فدون إزاحة الحجُبِ عنها  لن تكون قراءاتنا صحيحة ,  ولن نقدر على اطلاق طاقاتنا تلك واستثمارها في قراءة حقيقية ,  فلا بد للعقل الحقيقي أن يتحرر من سلطان منتجات العقول (سلطان الأفكار) فتراكم الأفكار قيد للعقول. إنساننا المعاصر وحده قادرٌ على تجاوز الحقيقة ,  دون أن يعلن الحرب على الأوهام ,  ودون أن يعلن وهمه بديلاً عن حقيقة الأوهام.

.

     ونحن نسير نحو الهدف في بحثنا هذا ,  ستكون قراءةُ أجدادنا للطبيعة هدفاً نضعه نصب أعيننا ,  سنقرأ في قراءاتهم وفي الكيفية التي نظر بها أجدادنا إلى الطبيعة  ,   كيف قرأوا فيها ؟. فنجهد للإجابة على أسئلتنا عبر استنطاقهم والاطلاع على أسئلتهم وإجاباتهم ,  فماذا قالت لهم الطبيعة؟. كيف فهموا خطاب الطبيعة؟. كيف استجابوا لذاك الخطاب؟. سنعيد صياغة قصة الخلق والتكوين التي قالوها عن الوجود في بقعة كانت الأقدس من بين الأماكن ,  إنها جبل الكرد (عفرين) . 

     لأجل هذه الغاية سنقوم برحلة استكشافية إلى تلك البفعة ,  نقرأ في ثناياها ومفاصلها كطبيعة احتضنت الرواية الأولى ,  وكمسرحٍ جرت على خشبته أحداث القصة التي مثلت فصولها.

جبل الكرد

     جبل الكرد هو الجزء الشمالي من السلسلة الشرقية من جبال الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط ,   تفصله غرباً الحفرة الانهدامية (الأخدود العظيم) عن سلسلة جبال أمانوس ,  حيث مجرى النهر الأسود الشقيق لنهر عفرين ,  نهر عفرين الذي يلتف حول جبل الكرد من الشرق والجنوب ,  ليلتقيا معاً في قعر بحيرة العمق ,  التي يفيض عنها العاصي الصغير المتجه مباشرة ,  إلى البحر الأبيض المتوسط ,  ملتقياً في طريقه بفرعه الكبير ,  والذي استولى فيما بعد على الاسم (عاصي Asê ). نحن بدورنا أثناء جولتنا سنعيد الاسم إلى صاحبه الأصلي Asê هو الثالث المنبثق من بين اثنين  آرش  Areşوآفرين Aferîn ومنذ الآن ,  سنعتمد مفهوم الثالث الخارج من بين اثنين ,  كحصيلة تزاوجية ,  وكغاية لاجتماع كل اثنين ,  مصطلحاً مهماً من مصطلحاتنا الدلالية ,  إذ ما اجتمع اثنان إلا وكان هناك ثالث يحصل من لقائهما ,  كتعبير عن علاقات الخصوبة في زمن الميثولوجيا. ولا يفوتنا أن نهر عفرين,  ينبع من قلب جبل الكرد ,  وحوضه هو وديان وسهول الجبل ذاتها ,  ولأجل هذا ينطبق اسم عفرين على جغرافية الجبل كله.

.

     هذه الجغرافيا المحاطة بسياج جبلي يحميها من الأعاصير وكل ريح أهوج ,  والفتحة المفتوحة على البحر عبر وادي العاصي , التي تؤمن لها أمطاراً كافية ,  واعتدالاً مناخياً من حيث الحرارة والرطوية ,  والتربة الخصبة المتشكلة من جبله الالتوائي الغني بكل المعادن. هذه الشروط كلها جعلت المنطقة بيئة مثالية لنمو وتطور الحياة. منذ انسان نياندرتال مروراً بأجدادنا الهومو سابينز وانتهاء بالانسان المعاصر ,  في هذه المنطقة تم العثور على أولى الأنشطة الزراعية ,  والتي تعود إلى بدايات العصر الحجري الوسيط ,  أربعين ألف سنة قبل الميلاد. فلا عجب إذاً أن تحتضن في ثناياها وتحتفط بأولى مغامرات الانسان في أسرار الخلق والتكوين.

الديانة الشمسية

     دأب الباحثون في الأديان ,  على تصنيف الأديان بين شمسية وقمرية ,  على أن الشمسية منها ,  هي ديانات ذكورية تتصف بالحدية والشدة والحسم والقطع والوضوح .. إلى آخر الصفات الذكورية ,  وأن القمرية منها ,  هي ديانات أنثوية تتصف بالليونة والعاطفية والضبابية والتداخل والخصوبة والجمال.. إلى آخر الصفات الأنثوية ,  فباحثٌ مثل فراس السواح ,  يصنف اليهودية والاسلام في عداد الديانات الشمسية , والمسيحية في عداد الديانات القمرية. أما نحن نقصد بالديانة الشمسية ,  تلك الديانة التي جعلت من الإله الشمس ,  كبيراً للآلهة وسيداً متعبداً وعلة للحياة ,  هذه الديانة التي سادت في منطقتنا شرق البحر الأبيض المتوسط ,  وما والاها باتجاه الشمال لتشمل كل الممالك والحضارات القديمة.

.

     يرجح البعض ممن يخوضون في موضوع الدين ,  أن العقيدة الشمسية ,  لاتزال تشكل الصخرة الجوانية ,  التي تنبني عليها المعتقدات الدينية الكبرى ,  وما يهمنا نحن من هذا الموضوع ,  هو أن الديانة الشمسية ,  هي التي كانت سائدة في منطقتنا منذ الأزمنة الغابرة وأن الإيزيديين ,  هم الورثة الشرعيون لتلك الديانة ,  والذين يعتقدون أن الملك طاووس ,  هو الإله شمس ,  وهو بدوره ينوب مناب الإله الأعظم. وما يهمنا أكثر هو معرفتنا بأن أرضنا هي التي احتضنت ميلاد هذه الديانة الشمسية ,  وأن منطقتنا كانت المسرح الأصلي الذي مثلت على خشبته ,  فصول الميثولوجيا الإلهية للإله شمس.

     ديانة الشمس هي ديانة خصبوية ,  تقوم على عقيدة النماء والزوجية ,  فالآلهة تتزاوج وتخصب الوجود ,  وما الوجود إلا نتاجٌ من نتاجات عشق الآلهة ,  وهي تقوم بمناكحة الوجود دورياً حفاظاً على البقاء والاستمرارية ,  والشمس هو الاله الذكر الأعظم من بين كل الآلهة الذكور ,  أما القمر هي الأنثى ذات الحظوة في الحياة الزوجية للإله شمس ,  والأرض هي الأنثى الأم الكبرى التي تحتضن كل عمليات الإخصاب ,  أما الماء هي نطفة الخصوبة الإلهية (وجعلنا من الماء كل شيء حي). حينما تجتمع الآلهة تكتمل أسباب الخلق ومن اجتماعها تنبع الحياة.

.

     قراءة أجدادنا هذه ستكون البوصلة التي تدلنا ونحن نجوب أرجاء المنطقة ونعاين مفاصلها ,  منها نستعير مفاتيح الغيب الذي لم تفصح عنه وثائقنا التاريخية ,  ونحن إذ نعاين ونستنطق القمم والوديان سوف لن نتحرج من الاستعانة بتلك الرموز التي تاهت عن أرضنا وسكنت بعيداً في الأقاصي ,  من تلك الأقاصي سنستعيد كلمات أجدادنا ,  تلك الكلمات التي هاجرت بعيداً تركت خلفها مناجمها التي خرجت منها ,  مهجورة منسية , وجواهرها مطمورة مخفية. حين نفعل ما نحن عازمون عليه سنكتشف كم هي جميلة قصة نبتتٌ من أرضنا وأينعت في الآفاق ,  إنها سيمفونية الوجود في اتحاد الانسان مع الطبيعة والألوهة.

أدوات ورموز لابد منها

     هناك رموز من المثولوجيا والفن والدين هامة وضرورية لابد من معرفتها قبل الولوج في الموضوع الذي نحن على وشك الخوض فيه سنوضح أهمها الآن وبعضها الآخر سنشير إليها في سياق السرد. من أهمها:

  • التاو: هو قاع الوجود الذي نتجت عنه الموجودات وهو عبارة عن دائرة فارغة ترمز إلى العمق والفراغ وهما بدورهما يرمزان إلى الزمان والمكان (الزمكان) وكأنما القصة تقول حين لم يكن هناك سوى الزمان والمكان. والرمز الأزيدي طاووس هو تاو أضيفت إليه (وس) الاغرقية , باعتبار أن طاووس ملك هو الشمس بقرصها المدور مثيل دائرة الوجود تاو ولهذا السبب فإن الدائرة مقدسة عند أتباع الديانة الأزيدية.               
  • .
  • القوتان الرئيسيتان في الوجود وما يمثلان من ثنائيات الخير|الشر والنور|الظلمة والأنوثة|الذكورة … إلخ تُرمزان بتنينين (أفعوانين) ملتفين على بعضهما على شكل زوبعة أو دوامَّة هما قوتا الين واليان Yin\Yan اللتان حرَّكتا سكون تاوTaw وأفقدتاه صمته الأزلي , ويمثلان عالمين مختلفين علوي وسفلي.
  • كل منحوتة نحتت على حجر مقطوع أو في جدار مرفوع , هي تابعة لأصل منحوت في جبل راسي ,  فالأول مقطوع عن الألوهة أما الثاني فموصول. وقد حكى ابن سيرين في تعبير المنامات: أن رؤية حجر مقطوع دلالة فاسدة لافتقاره للحياة وانقطاعه عن ذكر الل , ه أما الصخرة من الجبل فدلالته صحيحة وصادقة ,  باعتبارها موصولاً بذكر الله. فكل رمز نحت في جبل وله دلالته الدينية يعتبر أصلاً لغيره بمثابة مكة (Mak) الأميية.
  • الشمس في اعتلائها قبة السماء ملكاً على عرش الوجود , يتبعها ملوك على الأرض: الأسد من الحيوانات والذهب من المعادن والأصفر من بين الألوان. هي كائنات شمسية مقدسة مثلها وترمز إليها.
  • للعالم السفلي من يمثله ويستمد منه قداسته الحجر الأسود والحية السوداء…..الخ نسبة إلى سواد الظلمة فيها. وهي آلهة الشر الأرضية مثل الغول Dêw.
  • الصوت آA دال على الشعاع النازل من الأعالي إلى الأرض , فهو إما من نور أو من ماء(خطوط المطر) ولا فرق بين النور والماء ,  كلاهما مُخْصِبان. ولهذا فإن آفرين A ferîn تعني الماء الفريد ,  هو بالتالي النهر الفريد. وآ سي A se يعني الماء الثالث أو النهر الثالث ,  وهو الناتج عن اجتماع الأولين آفرين وآرش A ferîş  و A resh. هما نهرا النور والظلمات.

     تلك هي رموز ذكرناها على سبيل المثال لا الحصر ,  فقط كي نتمكن من الانتقال من المستوى الدلالي للغتنا الحالية ,  إلى مستوى دلالي آخر هو مستوى دلالات اللغة المثولوجية.

المثلث المقدس

.

     ثلاث قمم متساوية العلو تشكل مثلثاً قائماً فيما بينها ,  يحتضن المثلث كامل حوض نهر عفرين ,  في زاوية المركز من المثلث , في الزاوية القائمة منه ,  ينتصب جبل هوار Hewar بكل وقاره وهيبته وعظمته ,  تشرف من عليائه الألوهة نحو حوض عفرين ,  هوار هو موطن الله إذ أن هه He تعني الله وWar هو الموطن ,  تشرق عليه الشمس من خلف جبل بارسي Parsê الجبل الذي يشكل الزاوية الشرقية من المثلث ,  والذي يحتفظ أتباع الديانة الأزيدية ,  بذكرى هبوط الملك طاووس عليه (الشمس الملك) وفي قمته مزار لهم يسمونه جهلاً (بارسة خاتون) فقد خانتهم ذاكرتهم في دلالة بارسي Parsê والتي ,  لاتعني سوى طلب الرزق تزلفاً ,  إذ أن التوجه إلى الملك العظيم الشمس ,  عند بزوغه من خلف تلك القمة ,  وهو يهم الصعود إلى عرشه ,  وهو الرحمن الجدير بأن تقدم إليه الطاعة ,   وترفع إليه الشكوى تزلفاً وتملقاً (والشكوى لغيرالله مذلة).

     عندما يستو الملك الشمس على عرشه في قبة السماء ,  وتنضج (تستوي) بركاته ,  يكون استوى (الرحمن على العرش استوى) على قمة جبل بركات ,  الذي يرتفع في  الزاوية الجنوبية من المثلث ,  حينها تثمر وتفيض البركات من عليائه ,  وكلمة بركة هي عينها Ber ketê الكردية أي أثمرت (حملت بالثمار).  في قمة جبل بركات مزار للأيزيديين ,  وبقايا معبد شمسي طمرته أنقاض معبد روماني كان قد أقيم في مكانه ,  بعد استيلائهم على الجبل المقدس.

هَوار الجبلُ المَنْسِيُّ

     في المثلث القائم تعتبر الزاوية القائمة هي زاوية المركز ,  ومنها تبدأ المسافات وتتحدد الاتجاهات ,  بها ومنها تُقرأُ القيم والحسابات  إنها مركزٌ لدائرةٍ أوسعَ هي دائرةُ الكمال ,  والدائرةُ تعبيرٌ عن الاحاطة بالوجود ,  والمركزُ هو نقطةُ التلاقي لكل نشاطٍ من أنشطة الدائرةِ (الوجود) ,  بهذا المعنى فإنَّ جبلَ هَوار He war هو مركزُ نشاطِ الألوهةِ والقداسةِ ومجمعُ الآلهةِ ,  فيه تَمَوْضَعَتْ كلُّ الرُّموزِ الدَّالَّةِ إلى كل الآلهة.

.

     هو الجبلُ المنسيُّ بسبب ابتعاد أتباع ديانته ,  وتحول أنظارهم عنه إلى مراكز أبعد ,  فقرى الأزيديين تتوزع على سلسلة جبل ليلون بين قمتي بارسي وبركات ,  فلا يزالون يحتفظون بذكرى زيارة ملك طاووس إلى تلك القمتين ,  أمَّا مركز تعلق أنظارهم وقلوبهم باتت لالش  Laleş بعد أن أعلنها مجدد ديانتهم شيخ آدي ,  قبلة رئيسية لأتباعه ,  هكذا صرفت الأنظار عن جبل هَوار ليدخل في سبات طويل ,  محتفظاً بكنوزه وآلهته منتظراً من ينفض عنه غبار التاريخ.

     أمّا وقد آن الأوان لهذا الجبل أن ينفض غبار التاريخ ,  فقد أناط المهمة لمن ولد في قمته ,  وارتوى من قداسته ,  ومشى في ثناياه ومفاصله ,  سالكاً دروب الآلهة ,  يقتفي آثار أقدامهم ,  يلحظ أطراف مجالسهم ,  يسترق السمع لأقوالهم ,  يراقب من عليائه أفلاكهم وضجيج عرباتهم ,  إنه ابن جبل هوار ,  اختارت له الآلهة اسماً يليق بموطنه (موطن الديانة الشمسية) فكان اسمه شمس الدين وهو اختار لنفسه اسماً يليق بمهمته (إعادة إحياء جبل هوار) فصار (أبا هوار).

     هو شمس الدين أبو هوار ولد على عرش الجبل المكنى به ,  في العشرين من كانون الأول عام سبعين وخمسمائة وألفين بعد  ميلاد ميديا. متقدماً على ولادة الإله شمس بخمسة أيام ,  إذ أنه يلد في الخامس والعشرين من كانون الأول في كل عام. بولادته السابقة على ولادة الإله شمس ,  اكتسب حق التحدث عنه من موقع الأخ الأكبر ,  الذي يعلم عن أخيه الأصغر ما لايعلمه هو بذاته عن نفسه ,  باعتباره كان حاضراً وشاهداً على ولادته.

الجبل المقدس هوار

.

     هو الجبل الراسخ في صدر السهول ,  الصاعد نحو الأعالي بموكبه المهيب ,  كمصارع فرغ لتوه من ابعاد منافسيه خارجاً ,  يقف هناك في الوسط من الحلبة كصنديد ,  متناسق الأطراف منتظم الحركات ,  لا يأتيه الخلل من أي جانب أقبلت عليه ,  لو نظرت إليه من المشرق أدهشك التوازن بين جنبيه ,  لو أقبلت عليه من الجنوب أذهلك التساوي بين كتفيه ,  لو استطعت أن تراه من الأعلى لتعجبت من تناسقه العجيب ,  ثلاث سلاسل من القمم متجهة من الشمال الشرقي صوب الجنوب الغربي , أعلاها أوسطها والباقيتان متساويتان في الارتفاع. السلسلة الشمالية الغربية تلتف في طرفها الجنوبي الغربي نحو الجنوب لتتصل بالسلسلة الوسطى من ناحية الغرب. السلسلة الجنوبية الشرقية تلتف في طرفها الشمالي الشرقي نحو الشمال لتلتقي بالسلسلة الوسطى من ناحية الشرق. بهذا الاتصال تتواصل السلاسل الثلاث لتشكل خطاً متواصلاً يلتف حول نفسه ليتشكل على شكل حرف S تقريباً مع انطباق بداية الخط ونهايته على خط الوسط.

     في منتصف السلسلة الوسطى ,  وفي أعلى قمة منها انشطرت القمة إلى قمتين ,  شمال شرقية وجنوب غربية ,  لتتحول خط السلاسل الى سلسلتين متقابلتين رأسياً ,  وملتفتين على شكل تنينين (افعوانين). في المنتصف من موقع تقابل الأفعوانين ,  حفرت رام الماء  Golê المسماة Gul Gul بمثابة مركز تناظري ,  لكل أنحاء وأرجاء وموجودات الجبل ,  وهي مركز دائرة نصف قطرها بحدود خمسة كيلومترات هي الدائرة التي تحتوي داخلها كامل السلسلتين أو التنينين (الأفعوانين) .  من نقطة المركز Golê وهي ذاتها نقطة الفصل ,  يبدأ واديان مهمان يقسمان الجبل بالكامل ,  إلى كتلتين متساويتين ملتفتين على شكل دائرة الين واليان YinوYan إحداها من الشرق ,  جهة الشروق والولادة والحياة ,  وثانيتها في الغرب جهة الغروب والموت طريق الظلمات. عندما تمتلئ الرام Golê بالماء في أوائل الربيع ,  تفيض من الطرفين الشرقي والغربي في آن ,  ليجري ماؤه في الواديين معاً وبالاتجاهين ومتزامنين. المجرى الغربي يتحه غرباً ,  ثمَّ شمالاً , فشرقاً ,  فجنوباً ,  فغرباً ,  فجنوباً ,  والمجرى الشرقي يتجه شرقاً ,  فجنوباً ,  فغرباً ,  فجنوباً ,  ليلتقي مع شقيقه الآخر من جديد ,  جنوب الجبل ,  مع بداية الأرض السهلية المنبسطة ,  ليجتمعا معاً ويمنحا اسم امهما الرام Gul Gul للينبوع الذي يتفجر في مجرى لقائهما ,  وتسمى نبع غُلْغُلْ ,  وحسب الملا الجزري ,  غُلْغُلْ تعني الماء المقدسة. هنا في نهاية جولتنا هذه سنثبت رمزين مهمين من رموز قصتنا المثولوجية:

  • Gola Gul Gul – بحرة غلغل (رام الماء المقدسة)
  • Kanya Xul Xul – نبع غلغل (تبع الماء المقدسة)

.

مع ملاحظة أن الصوت غ Xهو صوت دخيل إلى اللغة الكردية  وأصله هو G وهذا يعني أن Xul Xul هو عين Gul Gul وهذا يدل على أن الماء من النبع هو عين الماء القادم من الرام Gola Gul Gul الذي في أعلى الجبل رغم أن ساكني المنطقة من الكرد يلفظونها بطريقتين مختلفتين. وGul هي تصغير من Gol وهي عبارة عن اجتماع الماء وزمِّه من حول مكان مقدس صوب جرن صغير ,   والوردة Gul هي زمٌ فتكون الترجمة الحرفية ل Gul Gul هي زَمْ زَمْ وهو الماء المقدس لدى المسلمين.

     مع جريان الماء المقدس في الواديين وهما يحيطان بالقسم الشرقي من الجبل ,  يزداد هذا القسم قداسة  اضافةً إلى كونه يواجه جهة الشروق والولادة والحياة . ولأن هذا القسم يمثل وجهة الخير والحياة والنور ,  كان له شرف احتضان كل المؤسسات الدالة على الخير والنور والحياة …..الخ ,  فاستحق أن تسمى قمته Gazê ,   لتقام فيها مناسك المناجاة   Gazî,  مناجاة آلهة الخير ,  وفي المقدمة منها ,  الإله شمس ,  واستحق أن تفتح فيه ساحة للطواف ,  ويُنْشَأَ فيه المعبدُ الأكبرُ Mak في قمة ثاني أعلى ذروة فيه ,  إنه المعبد الذي تتبعه كل المعابد ,  والذي عنه أخذ المسلمون أسم مكة ,  وجعلوها قبلة لكل المساجد.

     أما القسم الغربي من الجبل ,  الذي يواجه طريق الغروب والانحدار والظلمات والموت ,  ولم يتعمد بالماء المقدس كصنوه الشرقي  صار موطنا لكل رموز الشر ,  فقمته صارت Gaza bê lê ومعناه ,  موقع المناجاة غير المعمد (بلا سيل) أي لم يجر حوله الماء ,  فمنه لاتناجى إلا آلهة الشر. في هذا القسم انتصبت الصخرة السوداء دلالة إلى عالم الظلمات والهلاك ,  وصخرة Enûk (الشبح) ويلفظها أهل الجبل حالياً Nok ,  دون أن يعرفوا للفظهم أي معنى ,  والأشباح لا تستوطن إلا الأماكن المظلمة ,  يليهما صعبي آجي رشكي Acî Reşkê (مزار طريق الظلمات).  فالطريق إلى الظلمات يمر من هناك ,  من هذا الموقع ,  يبدأ الوادي الذي ينحدر سريعاً إلى موقع مرعب ,  حيث بوابة ديوْ Qula Dêw ومعلوم أن ديوْ (الغول) هو من آلهة الشر التحت أرضية ,  وهذه البوابة هي  عبارة عن فجوة سحيقة في منطقة صخرية ,  صخورها ناتئة كأنما هي قرون شياطين ,  نبتت في محيط بئر يحتوي شراً  مستطيراً ,  تتوقع ظهورها عليك في كل لحظة ,  إنه (البئر) الطريق إلى أعماق عالم الظلمات.

 

.

     لقد أعيانا التعب من رحلتنا هذه وأصابنا ما أصابنا في جولتنا  ,  ونحن ننتقل من اعتلاء قمة إلى هبوط واد ,  والارتطام بصخرة هنا والسقوط في حفرة هناك ,  خاصة في هذا القسم الغربي ,  المليء بالأهوال والمهالك. لقد آن الأوان كي نعود الى الطرف الشرقي نستعيد أنفاسنا ونستريح ,  ولا يجب أن نبقى هنا في الطرف الغربي إلى ما بعد الغروب ,  فتظهر علينا الأشباح والغيلان والوحوش ,  هذه الأرض غير آمنة ,  ولا ننسى في طريق عودتنا أن نمرَّ على Gul Gul نتطهر بمائه من لوثة ترحالنا في أرض الظلمات.

جولتنا هذه بحق كانت مثمرة ,  فقد تعرفنا على الأماكن وأسمائها ,  وعلى الكائنات وأحوالها ,  لم نترك قمة إلا وعاينناها ,  ولا وادياً إلا وسلكناه ,  لم نترك صفحة إلا وقرأناها ولا همسة إلا وسمعناها ,  سنجلس على عرش Gazê لننسج الحكاية من جديد ,  وحين تشرق الشمس من خلف جبل بارسي سنرويها لكل الوجود ,  ليستمر العالم بقصتنا ,  وتنتظم الموجودات وفق حكايتنا ,  وحين يعتلي الإله شمس عرش جبل بركات ,  ستبدأ الحياة من جديد.

إعادة هندسة الجبل

     حكايتنا صارت جاهزة ,  والمسرحية ستبدأ فور إعلاننا ,  والممثلون ينتظرون شارة البدء منا ,  شخوصنا آلهة ,  الإله شمس ينتظر خلف الجبل هناك في شوق للقائنا ,  الكل أخذ مكانه ,  قوتا الخير والشر الأفعوانان العظيمان ,  كل الموجودات تنتظر شارة البدء منا ,  الكل استعد ليقوم بمهمته الموكلة إليه ودوره ,  تماماً وفق السيناريو الذي رسمناه ,  بقي علينا فقط إجراء بعض التعديلات الهندسية ليتلاءم المسرح مع الحدث العظيم.

هندسة Golê

     فلتنحدر المياه إليها من الجهات الأربع ,  عبر أربعة خنادق ,  من جهة الشمال والشرق خندقان يحملان مياه Gaze مبشرة بالخير والأنوار ,   ومن جهة الجنوب والغرب أيضاً خنقان يحملان مياه Gaza bê lê منذرة بالشر والظلمات ,  وليكن القاع على شكل الفرج حين يمتلئ بالماء ,  لتتأهب الإلهة الأم الأرض للقاحها ,  وليكن أوسطها على شكل البيضة الكونية ,  لتختزن ثمرة الإخصاب بعد زواج الآلهة ,  ولتتحول Golê حين تمتلئ إلى قرص الشمس ,  وليكن القمر حاضراً على شكل دائرة في الطرف الشرقي ,  وحين يكتمل قرص الشمس ,  فليعانق قمره كزوجين في يوم زفاف ,  وحين يحلُّ الربيعُ ,  وتمتلئ Golê ,  ويعانق قرصُ الشمسِ قمرَه ,  فلتفيض بالماء شرقاً وغرباً ,  وليجري إلى الواديين رحيقُ الآلهة ,  يجري في الوديان عبقاً ,  روحُ الآلهة تسري في الوجود حياةً. حيث تجتمع آلهةُ الخيرِ والشرِ والشمسِ والقمرِ مع الإلهة الأمِّ الأرضِ تنبعُ الحياةُ.

 .

 

هندسة Gazê

     هناك في الجبهة الشرقية ومن الصخرة العظيمة Kevrê bell (الصخرة الظاهرة) ينتصب الأسد ملكاً بكل شموخه ,  فاغراً فمه ينظر إلى البعيد البعيد إلى قمة جبل بارسي Parsê ينتظر قدوم ملك الملوك ,  الإله شمس ,  وهو يتأهب بكل جلاله ليعتلي عرشه في قبة السماء ,  إنه الأسد رمز القوة والكبرياء والنبل ,  من موقعه يحيي الإله ,  مستجلباً انتباه ملك الملوك إلى مملكته ,  مستلهماً منه الهمة والنشاط  ,  ولكي يثبت له أنه الابن البكر لأبيه الإله ,  فقد بسط أمامه وفي مرآى سيده ,  عضوه الذكري منتصباً نحو السماء ,  معلناً فحولته ,  مطالباً دون تزلف بما يستحقه من عطاء.

     هناك في الجبهة الجنوبية ترقد اللبوة من صخرة Kevrê qetleb (الشفة المشرومة) في هدوء ترقب قمة جبل بركات تنتظر ,  اعتلاء الإله عرش البركة والعطاء.

     حين تخرج القابلة من غرفة الولادة ,  فإما أن تقول مبروم أي أن الوليد ذكر ,  أو أن تقول مشروم بمعنى أنها ولدت أنثى ,  كذلك هما الاسمان  Bell ظاهر دال على ذكورية المكان ,  وQetleb مشروم دال على انثوية المكان ,  رغم ذلك لا أحد من أهل الجبل يعلم أن هاتين الصخرتين هما أسد ولبوة. لأنهما يشاهدان فقط من بعيد من وسط ساحة الطواف.

هندسة ساحة الطواف

     كومرا ئستري يبدو أن هذا الاسم قد أصابه تشويه ما ,  فكومر Komir (الفحم) يتوافق مع طبيعة المكان ,  حيث الحجارة السوداء كالفحم ,  والنار التي يتم إيقادها في الوسط من الساحة ,  والتي تعد للطواف حولها أمَّا الاسم ئستري istirî لا يبدو مرتبطاً بالمكان والطقس الذي أعدت الساحة من أجله. فالأرجح أن تشويها لاحقاً أصاب اسم هذا المكان.

     من قمة Gaze من عرين الأسدين ,   قررنا أن تكون تلك الكومة الصخرية ذات الحجارة السوداء ,  ملتقى قمم    Pozî tîtea و    Pozî Margirê و Gaze ساحة للطواف حول النار المقدسة جذوة الحياة الكونية ,  سنفرِّغ ذاك المكان من تلك الكتل الصخرية السوداء ونجعل منها ساحة على شكل Golê نفتح في جدارها بوابتين متجاورتين واحدة لولوج الطريق القادم من الأسد Bell  والأخرى يخرج إلى اللبوة Qetlebعلى طريق Gul gul ,  والطواف سيتم تحت أنظار الأسدين ,  هناك حين يتحلق المتطوفون حول النار العظيمة ,  سيهللون وينشدون للأسدين وبهائهما كعروسين ملكيين.

عرس الآلهة

 

.

       بعد الفراغ من ترتيب الأماكن وإعداد المواضع ,  بعد إنجاز الأعمال العظيمة ,  أوقدت النار فوق الجبل وسط الميدان  كمعبد عظيم ,  أخذت الآلهة علماً أن بيتاً قد أقيم لسيدهم ومليكهم ,  الإله شمس ,  تقاطرت الآلهة من الأقاصي لحضور الوليمة تمجيداً للرب الملك العظيم ,  كل إله أرسل الهدايا والتقدمات تقرباً ,  إله الريح  أوصد أبواب الشمال أمام الصقيع ,  وفتح نوافذ نسائمه تعطر ثنايا الأرض ,  وإله السحاب أرسل أمطاره ,  تغسل وجه الأرض ,  كل إله قام بعمله على أتم وجه وكما يجب أن يكون.

     غداً أول أيام الربيع ,  حين تملأ المياه جوف Golê وتتراقص الآلهة فوق قرص الماء ,  وتصطف الإناث في العراء ,  ويثور الإله كثور هائج ,  يتدحرج ككرة النار ,   حين يلتقي العشاق بالعشاق بعد فراق ,  وتلتف الأعناق على الأعناق ,  ويشق الصياح عنان السماء ستفيص الخصوبة من Gul Gul ,  وتتدفق النطفة الإلهية من أعالي الجبل المفدس ,  اكسيراً للحياة ,  تهبط إلى الوديان والوهاد ,  تنشر الروح ,  وتبعث الحياة في الجذور الهالكة ,  تجري نحو السهول ,  حيث القطعان والرعيان ,  لتعلن عهداً جديداً في مملكة الإله.

     غداً في الأول من نيسان (نوسال Nû  sal) حين يتساوى الليل والنهار ,  ستعلن  الطبيعة حياتها الجديدة ,  حين تتوافد الكائنات من كل حدب وصوب بحللها البهية ,  تجتمع في السهول وعلى أطراف الوديان ,  يظهر الإله من قبة السماء ليعاين مملكته ويتفقد أحوال الرعية ,  تمتلئ بالسعادة كل القلوب ,  يملأ الفرح كل العيون ,  تتمايل العذارى مثل أغصان الشجر ,  تتناطح الذكور مثل الآلهة ,  تطلق العنان لسيقانها مثل الخيول الجانحة.

     غداً في اليوم الجديد نوروز ,  وحين يصعد الإله بعربته الذهبية من قمة جبل بارسي , ليعتلي عرشه فوق جبل بركات ,  تكون المياه المقدسة محملة ببذور الحياة ,  قد هبطت من جبل الآلهة هوار Hewar تجري في مسرى زرافكي Ziravkê (القناة الدقيقة)  بكل هدوء تتجه نحو النهر الفريد Aferîn ليحمله إلى مأواه الأخير ,  رحم الإلهة الأم الأرض ,  في قاع بحيرة العمق ,  فتمتلئ صدور الأمهات  وتشبع بطون الصغار حتى الامتلاء.

.

     غداً في نوروز Nû  roj  البوم الجديد  

فلتنصب الخيام في الحقول  

ولتتزين الإناث

         ……..  تلبسن حللهن وحليهن

         ……..  تتبرجن بكل ما أوتين من جمال  

هو يوم العيد والفرح  

إنه العرس المقدس  

فلتصدح الحناجر بأعذب الألحان  

لتُنفخ الأبواق والمزامير  

فلتُخلى البيوت والجحور والشقوق

فليخرج كل سكان الأرض من مخابئهم

أزواجاً أزوجاً  

الأسودُ مع لبواتِها

الثيرانُ مع يقراِتها

الكلابُ مع كلباتِها

الرجالُ مع نسائهم   

من كل الأنواع أزواجاً متزاوجة   

لايشغلنَّ الزوجَ عن زوجه شيءٌ  

فلتُعقد حلقاتُ الرقص من كل الألوان

…………………………………..

 

 

في البرزخ بين المثلث والمثلث

     بعد أن أكملت الآلهة عرسها العظيم ,  في مثلث الذكورة المقدس ,  بين قمم ووديان جبل الكرد(عفرين) اكتملت الهدايا والتقدمات ,  حملتها المراكب من نهر عفرين نزولاً إلى السهل العظيم جوم (Cûm) ,  يلج النهر في السهل ولوج السيف في غمده ,  مثلما تدخل  الحية  وكرها ,  هو السهل بوابة مثلث الآلهة الأم الأرض ,  موضع الفعل (يغور) جوم Cûm (الولوج والغوص نحو العمق) إنه البرزخ بين المثلثين ,   تعبره بذور الحياة لتستقر هناك في الأعماق ,  حيث الأم الكبرى قد فرجت بين ركبتيها ,  كشفت عن غورها  وفجها العميق ,  تنتظر في شوق رسول الأحبة ,  حامل اكسير وبذور الحياة ,  لتستعيد روحها ,  ويهدأ خاطرها فتفتح خزائنها ,  توزع عطاياها من جديد.

مثلث الإلهة الأم الأرض

     هو المنخفض المثلث المتشكل بين مصب نهر الأسود من الشمال ,  ومصب نهر عفرين من الجنوب الشرقي ,  وبداية العاصي الصغير في الجنوب الغربي ,  وهو قاع منخفض في وسط الأخدود العظيم (الحفرة الانهدامية) ,  وفق هذه الميثولوجيا ,  فإن هذا المثلث هو المثلث الجنسي الأنثوي ,  مقابل المثلث الجنسي الذكوري الجبلي ,  تجتاف الأرض من خلاله نطاف الخصوبة القادمة من مثلث الآلهة العلوية ,  لتتلقح وتحمل بالخير والعطاء.  من البحيرة المتشكلة داخل هذا المثلث المنخفض العميق (بحيرة العمق)  ,  بعد أن اجتمع فيها نهرا النور والظلمات (عفرين والأسود) وبعد أن تم اللقاء بين السماء والأرض واكتمل اللقاح ,  ينبع الثالث من بين اثنين ,  وهو الهدف الأخير لكل ما جرى إنه العاصي Asê آسي ,  النهر الثالث الحاصل من لقاء النهرين ,  حاملاً الخير والعطاء إلى البحر الأبيض المتوسط منفتحاً على العالم الفسيح.

رموز وكلمات مكتشفة من جديد

     بعد رحلة في جبل الكرد تسلقنا قممه العالية ,  وسلكنا دروبه الوعرة ,  واعترضتنا الأهوال والأحوال ,  وقرأنا أسفار الآلهة ,  من سفوحه ومنحدراته ووديانه ,  وبعد أن تعلمنا الأسماء كلها ,  عرضناها على كل اللغات فأجابتنا ,  لاعلم لنا إلا ما علمتنا ,  وحين عرضنا الأسماء على لغتنا الكردية ,  أجابتنا بكل وضوح عن كل كلمة وحرف ,  ثم قالت هل من مزيد ,  فسجلنا في قاموسنا تلك الكلمات التي أفضت إلينا بالسر العظيمالأرض هنا تتكلم الكردية في مملكة الإله هي اللغة الرسمية.

Gaz                      –  موضع مناجاة آلهة الخير(القمة المعمدة بالماء المقدس)

Gaza be lê            –  موضع مناجاة آلهة الشر (القمة غير المعمدة بالماء المقدس)

Kevrê bell            –  الصخرة الظاهرة … أسد منحوت في الجبل

Qetleb                –  الشفة المشرومة … لبوة منحوتة في الجبل

Enûk                  –  شبح

Qula Dêw           –  وكر الغول (الغول من آلهة الشر الأرضية) … بئر سحيق بين صخور وعرة في واد عميق … مسرى الأموات

Pozî tItea           –  لم أستطع التحقق من دلالة هذا الاسم بعد ……

Pozî margirê      –  قمة العقاب وهو طائر صياد أفاعي … برمز إلى شيخ ٍعالمٍ وحكيمٍ … على الطريق بين هذه القمة والقلعة (هكذا

                            يعتقد الناس بأنها قلعة هو في الحقيقة معبدٌ Mak) صخرة على شكل رأس أفعى مقطوعة ,  موضوعة على

                            قاعدة مرتفعة ,  للدلالة على أن هذه المنطقة محرمة على الألأفاعي ,  فهي مملكة محمية بالعقاب.     

Ziravkê                –  القناة الدقيقة … معبر النطفة

Cûm                 –  المصدر من فعل الإيلاج (من هذا السهل يلج مثلث ذكورة السماء والعلالي في مثلث أنوثة الأرض)

 

تلك هي الكلمات

تلك هي الأسماء

حروفاً نزرعها في الأرجاء

بذوراً ننثرها

وحين تهتز الأرض بها فرحاً

وحين يحين الحصاد

تمتلئ السنابل

وتنضج المعاني ……

……………

حين تصطف الجبال صفاً

وتمتد السهول كالبساط الممدود

وتجري الوديان كالسهم المشدود

والكائنات تعزف على أوتار الوجود

تنضج الكلمات ……..

………………

حين تقترب السماء نحو الأرض

وتنهض الأرض نحو السماء

تتراقص القلوب

 وتبدأ الحكايات……

……………………

رحلة الحج إلى الجبل المقدس هوارHewar

     بعد هدوء العواصف والرياح ,  بعد انزياح الثلوج عن القمم والعلالي ,  بعد خلع المعاطف والعبايا ,  بعد رحيل الشتاء نحو موطنه في الشمال ,  بعد اختفاء الثريا (Pêwir) عن قبة السماء ,  وفي آخر يوم من السنة المشرفة على الانتهاء ,  كل الكائنات استيقظت , كل البشر ,  كل الحيوانات ,  الأشجار والنباتات ,  بعد أن غطت النراجس البرية وعطرت وجه الجبل المقدس هوار ,  ومنحت ألوانها للسماء ,  فصارت زرقاء صافية كاللازورد ,  اجتمعت القوافل التي قدمت من كل فج عميق ,  حطت الرحال فوق قمة Gaza bê lê اجتمعت في ذاك الميدان المطل على طريق الظلمات.

     تزيغ العيون خلف الإله شمس تودعه ,  تنقطع الأنفاس  وهو يغيب خلف جبال أمانوس ليواجه قدره المحتوم (جبال أمانوس هي جبال آمان Aman أضيفت إليها أوس os الإغريقية باعتبارهم احتلوا ذات مرة هذه الجبال وهم يحشرون أوسهم هذه في مؤخرة كل شيء مثل الروس الذين يحشرون أوفهم of مثل أنوفهم في كل مؤخرة) الإله شمس غاب خلف جبال الوجد والفراق جبال آمان Aman.

أيها الرب الذي تغادر مملكتك

أيها الملك الذي تترجل عن عرشك

أيها العظيم الذين تترك صغارك

يا من تتركنا في الظلمات

في العراء بلا مأوى

بلا خبز وطعام

عد إلينا مثلما تغادرنا

لا تطل علينا الغياب

بدونك لا حياة لنا

لا مأوى ولا طعام

إن لم تعد في الموعد الذي وعدتنا

ستنهار مملكتك

يحل بها الخراب

مداساً تصير

 تحت أقدام الأشرار

……………..

    

غاب الإله خلف الجبال ,  أسدلت السماء ستائرها الحمراء ,  أسراب الخفافيش بدأت تخرج من أوكارها ,  الليل بدأ يخيم على الأرجاء ,  بعد قليل ستملأ الوحوش والأفاعي هذا المكان ,  هيا فروا إلى Gazê  نحتمي في مملكة الأسود أبناء الإله.  وأنتم تنفرون احرصو أن لا تلحقكم الأدران من هذا المكان ,  عند عتبة مملكة الأسود ,  قبل ولوجكم ذاك الباب العظيم ,  تطهروا بالماء من Gul Gul من كل رجسكم ,  لا تدخلوها ولا تمسوا جدرانها إلا وأنتم طاهرون ,  في مملكة الأسود سننتظر عودة الرب  في أمان.

 

النار العظيمة

     بعد النفرة من Gaza bê lê والتطهر بالماء المقدس Gul Gul ,  توقد المشاعل من الزيت المحضر خصيصاً من زيتون جبل هوار ,  تواصل القوافل طريقها إلى عرش الملك ابن الإله ,  الأسد الظاهر على كل الخلائق (بكل أسف هذا الطريق تم إغلاقه من قبل بيت عمي طمعاً في توسيع رقعة الحقل الذي يملكونه على جانبي الطريق ,  وجهلاً منهم بأهمية ورمزية هذا المعبر). بعد تقديم التعظيم والاحترام إلى ملك ملوك الأرض كما يجب ويقتضيه المقام ,  تكمل القوافل طريقها إلىKomira Istirî في الوسط من الميدان توقد النار العظيمة ,  وحين تفرقع أوراق السنديان وتحترق ,  وترتفع ألسنة النار نحو السماء ,  تبدأ حلقات الطواف حلقة داخل حلقة ,  تدور وتدور تلف وتدور ,  كلما ارتفعت ألسنة اللهب عالياً ,  كلما كشفت عن حلقات أوسع وهي تدور ,  كالنجوم تدور في قبة السماء وتدوم ,  حتى ينبلج الفجر ,  وتظهر البشائر من خلف جبل بارسي Parsê  حينها تتجه العيون عبر البوابة الحمراء Gêdûka Sor ,  ترقب ظهور الإله من جديد.

 

.

     يظهر الإلإله شمس فوق قمة الجبل Parsê يعتمر تاجه الذهبي ,  يلقي من عليائه نظرة على مملكته ,  يعاين ممتلكاته من هناك , تتجه العيون نحو التاج الذهبي ,  تنهض القلوب نحو البهاء الإلهي ,  تنبجس من بين الشفاه كلمات الشكر والثناء ,  تزلفاً وتقرباً وطمعاً بالحصول على رضا الرب ,  إنه الإله شمس إله السماء والأرض ,  ناشر الخير والبركة والأنوار.

     حين يصعد الرب عربته الملكية ,  ويرتقي السلالم نحو عرشه في قبة السماء ,  تسلك القوافل طريق العودة نحو Qetleb اللبوة الملكة ,  وعند أقدامها تلتف حول الموائد العامرة ,  حيث الخير الوفير والبركة.

فتحت الآلهة أبواب السماء

أخرجت خزائن الأرض المخبأة

العسل يسيل من الجرار

 اللبن فاض عن القدور

كل طعام يؤخذ دون مكيال

بلا مقدار

كُلْ كما تشتهي

وتهنَّى كما تشاء

     بعد أن اكتمل المشوار ,  وأكمل النسَّاك مناسكهم ,  واستوى الإله على عرشه في قبة السماء ,  فوق جبل بركات  Berkêt,  تستعد القوافل للرحيل ,  تمر على Gola Gul Gul تنهل من مائه المبارك ,  تحمله بركة إلى مواطنها التي قدمت منها ,  وتعود من حيث أتت إلى فجوجها البعيدة.

    

     

 

 

شاركنا الخبر
أخبار ذات صله

التعليقات مغلقة.
تابعنا على شبكات التواصل
فيسبوك
اشترك بالنشرة البريدية للموقع

انضم مع 98٬357 مشترك

http://www.kurdstreet.com/
إحصائيات المدونة
  • 294٬171 الزوار
%d مدونون معجبون بهذه: