محرك البحث
أحداث القامشلي: نهاية الخط الثالث أم مناورة بهلوانية؟
احداث بعيون الكتاب 26 أبريل 2016 0

ما لم نفهمه حتى الآن، هو كيف يتقلب وينقلب حزب من الأحزاب السياسية هكذا بسرعة من استراتيجية إلى أخرى، من دون أن تحاسبه الجماهير التي تتبعه، وكأنه يقود قطعيا من الغنم، وليس شعبا بأكمله!

.

كل المهتمين بالكورد وكوردستان يعلمون أن حزب الاتحاد الديموقراطي هو النسخة السورية أو الوليد الأصغر لحزب العمال الكوردستاني ولا يستطيع أحد في قيادته اتخاذ أي قرار من دون موافقة مسبقة أو لاحقة من قيادة العمال القابعة في جبل “قنديل” بجنوب كوردستان (كوردستان العراق!).

.

طالب الحزب الأم بقيادة زعيمه أوجالان بالحرية والاستقلال لشعب كوردستان، وقاتل فترة سنوات عديدة من أجل ذلك، طبعا من دون أن يساهم الزعيم في أية معركة من معارك حزبه، وكانت من شعاراته الكبرى (لا شيء أنبل من الاستقلال)، بل كان يتهم غالبية فصائل حركة التحرر الوطني الكوردستاني بالتقاعس والخيانة للشعب والوطن، بل كان كل كوردي لا يدعم مسيرة الحزب في نظره بلا شرف ولا ناموس، ثم على أثر اختطاف واعتقال رئيسه في كينيا ومن ثم نقله إلى تركيا تبرأ الزعيم والحزب من هدفهما الكوردستاني وعاد ليظهر كحزب مخلص ووفي لأفكار مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال، العدو الأول للشعب الكوردي، وكأن شيئا لم يكن، بل صار يتهم كل من يطالب بحرية واستقلال الكورد وكوردستان بالرجعية والقومية الشوفينية وضيق الأفق الكوني… ورغم ذلك، فإن شعبية الحزب، وبخاصة بين القرويين والنساء خاصة قد ازدادت ولم تنقص كما يبدو، وإن انحسرت بين المثقفين والسياسيين إلى حد كبير، وخرج من صفوفه كوادر هامة…

.

وهكذا حال وليده الذي وضعته الأم على الأرض في غرب كوردستان تحت اسم “حزب الاتحاد الديموقراطي” الذي نادى باستمرار بضرورة أن تكون هناك “إدارة ذاتية ديموقراطية” يساهم فيها الكورد مع سائر المكونات القومية والدينية الأخرى في شمال سوريا، من دون أي تلميح للقضية القومية لشعبنا، ثم أسس الكانتونات الثلاثة في (الجزيرة وكوباني وجبل الأكراد)، وشرع في صب حمم غضبه على الأحزاب الكوردية التي لم تدعمه في مشروعه ذاك، بل راح يتهمها بالخيانة واللاوطنية والتعامل مع (داعش) وحكومة أنقره ومع المعارضة السورية المدعومة من الدول العربية “الرجعية!”…

.

ثم وبصورة فجائية أعلن عن قيام “فيدرالية شمال سوريا” وأكد على أنها “فيدرالية ديموقراطية” وكأن هناك “فيدراليات غير ديموقراطية” في القاموس السياسي العالمي، من دون أن يسأل أحد من مسؤوليه وأتباعه وجمهوره المستعد للبذل والفداء عن سبب التحول المفاجئ من نظام “الإدارة الذاتية الديموقراطية” إلى “الفدرلة”، مع الإصرار على عدم “كوردية” هذا الكيان الذي لقي من النظام والمعارضة ومن المجتمع الدولي الرفض، في حين أيدته قوى وشخصيات ومنظمات كوردية، بحيث يتم إجراء تعديل شامل على المشروع ليتلاءم وواقع الجغرافيا والديموغرافيا على الأرض، ويكون فيها الانتماء الكوردي صريحا، بل وأن يكون مشروعا مشتركا لكافة فصائل الحركة السياسية الكوردية (السورية) مع فتح المجال للمناقشة حوله مع المعارضة الوطنية والديموقراطية السورية، ليثبت في النهاية كمقترح متفق عليه في الدستور الجديد لسوريا المستقبل.

.

هذا الحزب الذي رمى بالإدارة الذاتية الديموقراطية في سلة المهملات مثلما رمى حزبه الأم من قبل بفكرة استقلال الكورد أيضا في تنكة الزبالة على حد قول بعض زعمائه، يحاول الآن بشتى الوسائل إثبات أنه كان يناضل أصلا من أجل “الفيدرالية” وليس “الكانتونات” لم يفقد جماهيره، ولكنه يعرض نفسه لخطر التمزق والانشقاق أو لمغادرة كوادر هامة من صفوفه على الأقل لسبب هام جدا، ألا وهو أن الحزب كان يمجد نفسه بأنه صاحب “الخط الثالث” الحكيم والوطني بامتياز بين النظام والمعارضة في سوريا، وكان هذا هو التبرير الأهم لدى السؤال عن سبب عدم انخراطه في الثورة الشعبية كسائر فصائل المعارضة السورية المسلحة، وهو مسلح تسلحيا جيدا، وله قاعدة جماهيرية هامة في شمال البلاد السورية، حيث انحاز إلى سياسته الكثير من الكورد وعدد غير قليل من عملاء النظام والكورد البعثيين “سابقا” وأبناء الأقليات الدينية والقومية، خوفا من بطش النظام وتحسبا لاحتمال وصول منظمات إرهابية إلى قلب دمشق، وهي تنظيمات لها سياسات قمعية وتدميرية حيالها.

.

الآن، وحيث فوهات بنادق النظام وأصحاب “الخط الثالث” تتواجه وخطوط النار تتقاطع والتهم المتبادلة تكثر ويختل التوازن الذي كان موجودا إلى حد ما في المنطقة الكوردية، يبدو أن “الخط الثالث” الذي كانت الحركة الوطنية الكوردية ترفض وجوده أصلا، قد انهار، ولم يعد في مقدور النظام أن يعتبر نيران المتمسكين به ولو إعلاميا ووقتيا “نيرانا صديقة”، كما لم يعد هؤلاء يستطيعون إقناع شعبنا بأن معركته الأساسية مع “الإرهاب” وليس النظام، ولذا فإنه يسكت عن استمرار وجود المربعات الأمنية للنظام في عقر دار الكورد، ويتألق تمثال حافظ الأسد في وسط أهم مدينة كوردية، ويتحول مطار القامشلي إلى أهم المطارات التي يستخدمها النظام لتأمين اتصاله بالعالم الخارجي بعد أن قصف مقاتلو العارضة معظم المطارات السورية الأخرى أو جعلوها تحت نيران مهددة باستمرار. وهنا سيبدأ الكورد السوريين بالتساؤل عما إذا كان “الخط الثالث” قد انهار تماما، أم أن حلفاء النظام سيسعون إلى ترميم العلاقة بين الطرفين المتنازعين في مدينة القامشلي، والكورد الذين كانت أو لاتزال لهم علاقات سرية أو علنية مع أجهزة النظام سيفكرون مليا قبل الإقدام على الوقوف مع هذا الطرف أو ذاك، وأنا واثق من عددا هائلا منهم سيختار جبهة النظام لأسباب عديدة.

.

ومن جهة أخرى، نتذكر كيف خرجت قوات النظام من مدينة كوباني الباسلة عن طريق صفقة “استلام وتسليم” مفضوحة بين رجال الأسد وقادة حزب الاتحاد الديموقراطي، ومن ثم دفع النظام بتنظيم الدولة (داعش) الإرهابي للهجوم على المدينة أو أفسح المجال له، ليهرب سكانها منها ولتأتي طائرات التحالف الدولي فتدكها دكا وتجعلها قاعا صفصفا، بهدف منع (داعش) من الوصول إلى الحدود التركية، حيث حدود دولة عضو في حلف النيتو. فهل يقوم النظام بتكرار اللعبة القذرة من أجل فرض نفسه بقوة سلاح التنظيمات الإرهابية وبعض التنظيمات التي تزعم أنها جزء من المعارضة الوطنية – الديموقراطية؟ أم إنه ينتقم من “الكورد!!” في القامشلي، أولئك الذين خانوا العهد معه وأعلنوا عن “فيدرالية شمال سوريا” من دون علمه وموافقته؟ أم أن المشروع برمته قد تم طبخه في مطبخ المخابرات السورية التي تجيد تلفيق المعارك الكبيرة، كما حدث في تدمر، من دون اعتقال أو أسر إرهابي واحد، لتظهر قوات النظام بعد أن سحب الروس بعض قواتهم الجوية قادرة على فرض هيمنتها على أجزاء واسعة من الأرض السورية، ومن ثم الدخول بذلك في معركة دبلوماسية غير متكافئة مع قوى المعارضة السورية التي لن يتوانى بعض زعمائها عن القبول ببقاء الأسد في قصوره بشرط ألا ينجح الكورد في الحصول على أي حق لهم في تقرير مصيرهم بأنفسهم…؟

.

هنا، على حزب الاتحاد الديموقراطي الإعلان عن موقفه الصريح لجماهيره وللشعب الكوردي عما إذا كان سيظل على الحياد المزعوم “الخط الثالث” وعما إذا كان من الحكمة رفض عودة البيشمركة الكورد السوريين من إقليم كوردستان بعد أن صارت قوى النظام والمعارضة والإرهابيين المدعومين من دول إقليمية ضده، وهل سيرضى بإعادة النظر في ملف “الفيدرالية” مع أحزاب غرب كوردستان الأخرى؟ أم أنه يغلق عينيه ويركض عبر لهيب النار التي ازدادت قوة من جانبيه ولا يدري إلى أين ينتهي به المطاف وكم من دماء الشباب الكوردي سيراق؟

.

في هكذا جو مشحون بالمتناقضات السياسية ومضطرب، يجدر بالحركة الكوردية التأكيد على:

.

– تحقيق حد أدنى من التقارب القومي بين مختلف فصائلها القوية والضعيفة، للخروج من مؤتمر أو لقاء وطني واسع بخطاب كوردي مشترك وبمشروع “فيدرالي” واضح المعالم وموحد.

– التأكيد على أنها حركة وطنية سورية، مكانها الصحيح هو إلى جانب قوى المعارضة الوطنية – الديموقراطية السورية أو ضمن صفوفها.

– السعي لبناء قوة دفاع كوردي موحدة (ولو مرحلية بسبب الحرب) تحت إشراف سياسي مشترك لقوى شعبنا

– الاستفادة من الإخوة الكوردستانيين والأخوات الكوردستانيات في شتى أجزاء الوطن وفي أنحاء العالم لترميم البيت الكوردي السوري الذي يتم هدمه ولوضع خطة لوقف نزيف الدم وهجرة المواطنين، وبناء المؤسسات الصحية والغذائية والتعليمية لخدمة الشعب

– وضع خطة مشتركة لبناء جبهة قومية واسعة لغرب كوردستان تضع استراتيجية معتدلة ومعقولة وخطط مستقبلية، بما يضمن التآخي بين سائر المكونات القومية والدينية، ويدعم التعاون بين المؤسسات والتنظيمات المختلفة ويسمح بمجال أوسع لممارسة الحريات السياسية ويصون الحقوق والواجبات بشكل جيد.

.

– ويجب التحديق مليا بإحداثيات السياسة الدولية ومراعاة الانسجام والتحالفات القائمة في المنطقة وخارجها وتقدير الأوضاع المستجدة باستمرار على صعيد العلاقات الدولية، من خلال تشكيل فريق ذي خبرة سياسية عالية لتقديم النصح للجبهة المأمول بناؤها إن شاء الله.

.

جان كورد



شاركنا الخبر
أخبار ذات صله

التعليقات مغلقة.
فيسبوك
إحصائيات المدونة
  • 971٬613 الزوار
%d مدونون معجبون بهذه: