محرك البحث
“إستحقاقات تاريخية تنتظر التطورات الحتمية”
احداث بعيون الكتاب 08 يونيو 2015 0

كلما نتقرب من الإستحقاقات الكبرى تتعاظم المسؤوليات, وبالتالي تزيد المخاوف من عمليات الإجهاض التي يمتهنه الخصم. نحن الكورد أمام معادلة كبيرة بحجم المنطقة و تعقيداتها, ليس لأننا مهمين بهذا القدر, بل كوننا نتقاسم مع شعوب المنطقة مساحات واسعة من الشرق.. أربعة بلدان لها أهميتها الجيوسياسية, تؤثر على مجمل الحياة السياسية و الإجتماعية و الإقتصادية في المنطقة والعالم. أربعة دول هي الأهم في قلب الموازين, وتعديل أو تغيير المعادلة الدولية, وهي بالتالي الأطراف الرئيسة التي بإمكانها أن تجلب الإستقرار أو تجلب الكوارث على رأس شعوبها. (سوريا, العراق, تركيا وإيران)..

.

تمعنوا و فكروا بعمق بخارطة هذه الدول الأربعة لو حركنا أو تحركنا فيها, ماذا سيحصل برأيكم؟ كانت مرحلة الحرب الباردة بمثابة صمام الأمان للحفاظ على هذه الخارطة الجيوسياسية والديمغرافية السكانية بما تتوافق مع المصالح الإقتصادية و الأمنية لكبرى الدول, والتي كانت تتحكم بسياسة القطبين.. وبعد إنهيار تلك المعادلة التي كانت تستند عليها ساسات تلك الدول مع إنهيار المنظومة الإشتراكية, إستفاقت الشعوب, و لتتواكب معها المزيد من غطرسة الحكام و خنق الأصوات التي أرادت أن تعلو من أجل المطالبة بالحريات العامة مع تغيير سياساتها تجاه أهل القرار الأممي. كتبت يوماً مقال بعنوان ” ربيع عربي..

.

لكن هبوب رياحه تزيح الرماد عن الجمرة الكوردية لتلهب المنطقة” أكبر شعب في المنطقة لم ينال على حقوقه على مساحة نصف مليون كيلومتر مربع, موزع بين أربعة دول بحجم قلب الموازين الدولية قاطبة.. وهو متماسك, وكل جزء يمثل العمق الإستراتيجي للأجزاء الأخرى, وهي مخزون لأكبر إحتياطيات العالم من المواد الخام من فلذات المعادن والأحجار ذات القيمة, عوضاً عن البترول والغاز, وناهيك عن الثروة المائية التي تزود مساحات تلك الدول الأربعة بمائها العذب. وشعب لم يستقر يوماً في مواجهة الظلم والقهر والحرمان و الإنكار لوجوده, حيث ضحى بأكثر من مليون شهيد طوال قرن من الزمان, وذلك مطالباً بحريته على أرضه تساوياًمع كل الشعوب على هذه البسيطة من الأرض, وله حق مشروع في إقامة دولته المستقلة على أرضه التاريخية. في الجزء العراقي, والذي حصل فيه الكورد على حقه الفيدرالي, وذلك ثمناً لتضحياته التي يعجز اللسان عن ذكرها, وفي مقدمة تلك التضحيات الضربة الكيماوية في حلبجة والعديد من البلدات في عام 1988 وكذلك حملة الأنفال السيء الصيت في عامي 78و 1988 وهو دفن الأحياء في قبور جماعية بمئات الآلاف.. في إطار التطهير العرقي الذي إنتهجه النظام البعثي في العراق.. أما في إيران, فالكورد لم يتوقف عن تقديم القرابين ثمناً للحرية منذ أكثر من مئتي عام, وخاصة بعد الإعلان عن جمهورية مهاباد عام 1946 إلى يومنا هذا, وهو مستعد أن يقدم المزيد من أجل الحصول على حقوقه على أرضه التاريخية.. ففي تركيا, ومنذ إنهيار الدولة العثمانية و إنشاء الدولة التركية الحديثة يقاوم الكورد سياسة التطهير العرقي من قبل النظام الآتاتوركي الذي سبب في إنهيار ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925 والحركات التي تلتها.. ومنذ ما يقارب العشرة السنوات الأخيرة, أيقنت العقلاء في تركيا على أن إستمرار تركيا في إنكاره لوجود الكورد و حقوقه المشروعة تشكل خطراً حقيقية على وجود تركيا كدولة, ومن المفيد أن يُطْرَح مشروع حل لهذه القضية في إطار الحفاظ على الدولة وحدة موحدة.. ومنذ ذلك الحين ومع حكومات حزب العدالة والتنمية تُناقش المشروع وسط النخبة السياسية الحاكمة من جهة, وكذلك مع قيادات حزب العمال الكوردستاني و قائده عبدالله أوجلان في معتقله منذ عام 1999. حيث أن جناحه السياسي الذي يناضل بشكل علني منذ تأسيسه ويشارك الإنتخابات البرلمانية حقق مكاسب مهمة على طريق العمل من أجل السلام والديمقرطية.. واليوم في هذه الإنتخابات المفصلية والتي نسميها بالتاريخية حقق إنجازاً أكبر كونه شارك باسم الحزب و جاوز الحد الأدنى للدخول إلى البرلمان, وليكون له البصمة الواضحة في عملية تشكيل الحكومة و إقرار التشريعات… أما في سوريا فالوضع مختلف, كون سوريا اليوم تواجه مرحلة خطيرة لا أحد يستطيع التكهن بنتائج ما تحدث من تطورات و أحداث كارثية على الأرض, إلا أن الكورد في مناطقه يحاول أن ينأى بنفسه عن تطورات هذه الحرب المدمرة, لكنه يواجه أشرس هجمة وحشية من قبل منظومة إرهابية متوحشة بإسم دولة العراق والشام الإسلامية “داعش”. وهو بالتالي (أي الشعب الكوردي) يناضل هو الآخر منذ إستقلال سوريا إلى اليوم من أجل الحصول على حقوقه المشروعة وفقاً للقوانين والمواثيق الدولية, وهو عانى الأمرين من سياسة البعث الذي إنتهج سياسة الإنكار لوجوده و سياسة التطهير العرقي…. ومما سبق تؤكد الحالة و من الواقعية التاريخية والجغرافية لهذا الشعب على أنه سيستمر في نضاله مهما تغيرت الأنظمة و غيرت من ملامحها إلى أن ينال كامل حقوقه على أرضه التاريخية..

.

والغريب في الأمر على أن الشعوب الحاكمة لهذه الدول لم تفهم حقيقة الأمر وما تجري من أحداث و تطورات حولها والمخاطر التي تحدق ببلدانها.. وما زال يتنكر بشكل أو بآخر لهذه الحقوق, والتي ذهب الكورد بها إلى أكثر واقعية تناسباً مع الظروف الموضوعية والتي لم تتجاوز الحقوق القومية في إطار تلك الدول من دون الوصول إلى الإعلان عن دولة مستقلة في كل جزء أو في توحيد الأجزاء الأربعة.. أعتقد أن عدم موافقة الأنظمة لتلك الحقوق مع الحفاظ على وحدة الدولة تدفع بالكورد نحو الإنفصال إضطرارياً..

.

و أن البرنامج المعلن اليوم من قبل أجنحة الحزب العمال الكوردستاني السياسية في سوريا وتركيا وإيران والذي يتمثل في حقوق المواطنة في دولة ديمقراطية تسودها العدالة الإجتماعية هو الحد الأدنى من الحقوق التي لا تتجاوز في المحصلة عن حقوق اللاجئين إلى دول أوروبية, حتى أن تسمية الفروع في كل جزء من كوردستان تبدو خالية من تسمية حزبهم بحزب كوردي, ألا أنه لا يمثل الكورد و حقوقه القومية بل يتجاوز القومية ويناضل من أجل حقوق ديمقراطية لكل فئات الشعوب القومية والدينية, وهي تتجسد في أعظميتها (حقوق الإنسان الديمقراطية) وذلك توافقاً مع طرح عبدالله أوجلان نظرية (الأمم أو الشعوب الديمقراطية) وفدرلة الشرق الأوسط بين شعوبه..)..

.

ولما تتنكر هذه الأنظمة الحاكمة و حتى معارضيها لتلك الحقوق المتدنية يعني ذلك أنها غير مستعدة أن تتعايش مع الغير فتدفع بالكورد نحو الإنفصال, علماً بأن الحلم الكوردي يتحقق في دولته المستقلة..

.

فبين القبول بحقوق المواطنة الديمقراطية كما يطالب بها أجنحة الحزب العمال الكوردستاني في الأجزاء الأربعة و بين الحلم الكوردي على الشعوب الحاكمة أن تختار ما تناسبها, أما إستمرار إنكار لتلك الحقوق أعتقد سيفتت المنطقة برمتها..

.

وستكون نتائجها كارثية وهي من ستتضرر كونها ستتحمل المسؤولية الكبرى. فالكورد يقترب من الإستحقاقات التاريخية فهو أكثر موضوعية في تعامله مع الواقعية السياسية, كونه يدرك حجم المسؤولية التي تقع على عاتقه, وهي مسؤولية شعوب المنطقة برمتها إنطلاقاً من العلاقات التاريخية التي تربط هذه الشعوب ببعضها البعض, إلا أن ومع الأسف الشديد لا تدرك هذه الشعوب مستوى و حجم مسؤولياتها تجاه حقوق الكورد ولا تنظر نتائج الكوارث التي لحقت به..

.

أعتقد أننا نتحمل مسؤولية ما تنتجها التطورات التاريخية, وعلينا أن نتهيأ لتحمل أعباءها. فهل يحمل الشعوب الحاكمة لمشروع مستقبلي يحول المنطقة من بؤرة الإستبداد والتنكر لوجود الآخر إلى واحة الحريات العامة وقبول الآخر كشريك متساوٍ معهم في الحقوق والواجبات وغسل أدمغتهم من أن “للأقليات دراجات متدنية من المواطنة” علماً بأن الشعوب الذين يعيشون على أرضهم التاريخية لا يقل شأناً من غيرهم مهما قلت عددهم أو كثرت, فالحقوق القومية لا تقاس بعدد السكان, فهناك دول لا تتجاوز عدد سكانها عن المليون, ولكن شعب يتجاوز عدد سكانه من 40 مليون وهو لاجيء على أرضه التاريخية محرم من حقوقه الإنسانية.. فالكرة أصبحت في ملاعب هذه الشعوب الحاكمة؟؟؟ وهل ستدرك حجم مسؤولياتها؟

.

————————– أحمـــــد قاســــــم 8\6\2015



شاركنا الخبر
أخبار ذات صله

التعليقات مغلقة.
فيسبوك
%d مدونون معجبون بهذه: