محرك البحث
الأزمة السورية بين الحل و شرعنة التقسيم
احداث بعيون الكتاب 31 يوليو 2017 0

يتفق معظم المحلليين والمراقبين للوضع السوري ، أن سوريا تحولت من دولة مركزية متشددة إلى مجموعات من الدويلات و مناطق النفوذ ، و بات من المستحيل العودة إلى عهدها السابق .
فعهد الدولة المركزية التي يحمكها شخص واحد قد ولت بدون رجعة . و لم يعد بالإمكان السيطرة على كافة المكونات بنظام دكتاتوري متشدد .و أن كان ما يزال هناك من يتأمل عودة الماضي بكل تفاصيلها و تفرعاتها و خاصة من أصحاب العقليات الشوفينية و العفلقية الذين ما زالوا يعيشون أوهام الماضي ، و يعتقدون أن كل ما حدث هو مجرد مؤامرة ستنتهي قريبا و يعود كل شيء إلى سابق عهده .
بالمقابل هناك من يعتقد أن الثورة انتهت ، و انتصرت روسيا (و ليس النظام ) و أصبحت سوريا مجرد دولة خاضعة للانتداب الروسي ، على غرار الانتداب الفرنسي على سوريا سابقا .و سيقرر الروس كل التفاصيل من الدستور و الحكم و القوى المشاركة و نظام الحكم ، و لن يكون لأي قوة إقليمية أو دولية أو محلية اي دور في سوريا خارج سيطرة روسيا ، و حتى الولايات المتحدة الأمريكية سيكون دورها هامشيا أمام الدور الروسي .
هناك أيضا من يعتقد أن سوريا ستخضع إلى أيران على غرار العراق و سيكون لها الدور الابراز في كل ما يخص مستقبل سوريا .و هي عبر تدخلها المباشر و القوي في الساحة مع وجود الآلاف من المليشيات و القوى الشيعية الأخرى تسيطر على الأرض ، و هي ستجبر كل القوى الأخرى على الخروج مهزومة ، و على غرار ما فعلته بالقوات الأميركية في العراق ستشكل في سوريا أيضا مليشيات لمقاومة القوات الأجنبية و على رأس تلك القوات قوات الأميركية و ستجبرها على الانسحاب و ترك الساحة لها .
لكن هناك من يعتقد أيضا أن سوريا أصبحت مجرد دويلات و كانتونات و مناطق نفوذ باتفاق قوى دولية و إقليمية . و التقسيم لا مناص منه و ان كان الجميع يحاول تبرأة نفسه منها . فمناطق النفوذ الأميركية و الروسية و التركية و الإيرانية و أن كانت متداخلة لكنها أصبحت واقع لا يمكن إنكاره . و ما سميت باتفاقيات أستانة لتشكيل مناطق “منخفضة التصعيد “و التي تضم مناطق واسعة من الساحة السورية. و كذلك التفاهمات الروسية- الأميركية لتشكيل مناطق عدم التصعيد في الشمال و جنوب و البادية .و أيضا التدخل التركي المباشر في مناطق إعزاز و جرابلس و الباب بدون أي معارضة جدية من روسيا و إيران و الولايات المتحدة ، أيضا عدم وجود أي اشتباكات بين روسيا و إيران و الولايات المتحدة و تركيا كلها أدلة على وجود اتفاقات و تفاهمات بين تلك الدول و القوى لتقسيم سوريا إلى مناطق نفوذ قد يستمر ذلك لعشرات السنوات الأخرى .
و أن كانت الأزمة السورية أزمة معقدة و متشابكة ، و لا يمكن التكهن بما سيحدث بدقة ، فالخيارات عديدة ، و تعتمد على على فعالية و نشاط القوى العسكرية و السياسية على الأرض .
لكن التقسيم ليس هو الحل المنطقي للأزمة السورية و هو ما يتفق عليه الجميع (و لو من الناحية النظرية ) ما فيها القوى الدولية و الإقليمية و المعارضة و النظام . و ايضا العودة إلى نظام الدولة المركزية المتشددة سيكون أسوء من التقسيم و لن يكون حلا ، مع استحالة العودة اصلا إلى تلك النظام .
لا يبقى أمام السوريين سوى النضال من أجل تأسيس دولة ديمقراطية لامركزية تتشارك كافة المكونات فيها عبر نظام فيدرالي يحقق الحرية والعدالة لجميع دون إقصاء اي مكون عرقي أو ديني . ليس من مصلحة اي مكون في سوريا تقسيم البلد بما فيهم الشعب الكردي الذي يتعرض إلى حملات منظمة و مقصودة لاظهاره و كإنه المكون الوحيد الذي يسعى لتقسيم سوريا ، رغم أن الواقع يقول انه أكثر مكون يحاول الحفاظ على وحدة سوريا .
الثورة بعقول البعض انتهت (مع الأسف من بعض العقول المعارضة ) بسقوط حلب و البعض من المناطق الأخرى التي كانت تحكمها جماعات مسلحة اسلامية متشددة .و كإن الثورة هو ما يقوم بها هذه المجموعات المتطرفة التابعة لقوى إقليمية لا تسعى إلا إلى تدمير سوريا .
الدور الروسي مهم و مؤثر في الساحة السورية و لا يمكن إنكارها ذلك ، لكنها و أن كانت دولة انتداب فيها فقط في مناطق سيطرة النظام فقط أي في 30% من الساحة السورية .و يبقى 70%حاليا خارج سيطرتها و تأثيرها و النفوذ الأميركي بهذه المعنى لا يقل عن النفوذ الروسي بل ربما أكثر منه باعتبارها تدعم قوة تسعى إلى التغير و التجديد بعكس الروس المتمسكين بنظام سينتهي عاجلا أو آجلا .
لكن السؤال الأهم هو هل من الممكن أن تقوم روسيا بإجبار الولايات المتحدة على الخروج من سوريا ؟ أو هل من الممكن أن تقول الولايات المتحدة بسحب قوتها بمجرد الانتهاء من معارك داعش ؟
انسحاب القوات الامريكية من سوريا في المدى المنظور صعب ، فهي لن تعيد تجربة العراق في سوريا التي كانت من نتائج انسحابها منها هو زيادة النفوذ الإيراني فيها أولا ، و احتلال داعش لنصف المساحة العراقية ثانيا . و انا باعتقادي لن يكون هناك أي انسحابات لا من روسيا و لا من الولايات المتحدة الأمريكية و لا من تركيا و لا من إيران بسهولة ، إلا في حال اتفاق الأطراف السورية على حل منطقي و و توافقي يحافظ على وحدة البلد و يحقق طموحات كافة المكونات السورية .
المحافظة على وحدة البلد ، و جعلها دولة قوية و مؤثرة ، و إجبار كل القوى الدولية و الإقليمية على الانسحاب يقع على كاهل القوى الوطنية و الديمقراطية السورية المؤمنة بحل توافقي حقيقي بعيدا عن العقلية الشوفينية و الأقصائية .

نورالدين عمر



شاركنا الخبر
أخبار ذات صله

التعليقات مغلقة.
فيسبوك
%d مدونون معجبون بهذه: