محرك البحث
الاستقلالية والخصوصية توحدان الكورد في سوريا
احداث بعيون الكتاب 13 سبتمبر 2016 0

بقلم: م.رشــيد – 11-09-2016

.

حرق البوعزيزي التونسي لنفسه كان بمثابة الشرارة الأولى في إشعال ما يسمى بثورات الربيع العربي، التي أصبحت وبالاً ونزفاً للبلاد والعباد، انتقلت عدواها إلى سوريا عبر البوابة الجنوبية (درعا)، وبذلك دخلت سوريا مرحلة مفصلية خطيرة في ظل ظروف دقيقة وحرجة، تطلبت الحكمة والجرأة في التعامل مع الأحداث في بداياتها، بإجراء الإصلاح والتغيير في كافة الأصعدة والمناحي لمواجهة التحديات والمخاطر المحدقة، لكن للأسف غلبت الذهنية العسكرية والعقلية الأمنية المبادرات السلمية في الحلول والمعالجات، مما فرضت العنف والعنف المضاد، وأعطت المبرر لدخول ما هبّ ودبّ من القوى الشريرة بأجنداتها التدميرية، وأتاحت للمجاميع الإرهابية المتطرفة كداعش والنصرة وأخواتهما لبث الرعب والهلاك فيها، وتحولت الأرض السورية إلى ساحة لتصفية الحسابات وحقل للتجارب وسوق لعقد الصفقات، ومازالت تستمر النزاعات والمواجهات بين مختلف أطراف الصراع على أسس عرقية وطائفية مقيتة وأخرى بالوكالة لجهات أجنبية، مخلفة القتل والدمار، ووقودها دماء السوريين وأرواحهم وأموالهم وأعراضهم، الذين لم يحصدوا (إلى تاريخه) سوى الموت والأسى والعذاب.

.

والكورد جزء من الشعب السوري، فقد نالوا أيضاً نصيبهم العادل من الحرب الدائرة، شأنهم شأن باقي المكونات، التي راحت ضحيةً للسياسات الحمقاء والرعناء التي انتهجتها قياداتها الجبناء البلهاء، ففي البداية دعا الخيِّرون والعقلاء من الكورد لتشكيل مرجعية كوردية – مركز قرار كوردي جامع- (وهو مطلب قائم ودائم وعام) تنبثق عن مؤتمر عام وشامل يضم كافة القوى الفاعلة من الأحزاب السياسية والمنظمات الشبابية والنخب الاجتماعية والثقافية والشخصيات الوطنية المستقلة لتقود الكورد إلى بر الأمان في ظل الأوضاع الراهنة والمستجدة، وبالفعل أثمرت المساعي بتأسيس المجلس الوطني الكردي (ENKS) ليصبح عنواناً قومياً بارزاً وممثلاً حقيقياً لتطلعات الكورد لتأمين حقوقهم القومية والوطنية والديموقراطية ضمن وحدة البلاد، وذلك بالإقرار الدستوري بوجودهم أرضاً وشعباً كثاني قومية وشريك حقيقي في الوطن كما تضمنه العهود والمواثيق الدولية في إطار دولة مدنية يحكمها نظام ديموقراطي تعددي اتحادي برلماني، يكفل لكافة المكونات الاثنية والدينية والمذهبية المساواة في الحقوق والواجبات.

.

إلا أن الأنانيات الشخصية والخصومات الحزبية وتدخلات الأطراف الكوردستانية وضغوطات القوى المحلية والاقليمية، جعلت (ENKS) معطلاً ومترهلاً ومنقسماً ومنقاداً، مسلوب الإرادة والقرار من قبل من نصبوا أنفسهم أوصياء عليه، واستخدموه ورقة تفاوضية رابحة في المساومات والصفقات الداخلية والخارجية خدمةً لمصالحهم وتنفيذاً لأجنداتهم مقابل أثمان زهيدة وتافهة، وانضمامه إلى الائتلاف بدون شروط وضمانات واضحة دليل قاطع على ذلك، بالرغم من ادعائه بامتلاك مشروع قومي كوردي، الذي يناقض مشروع الأمة الديموقراطية الذي يتبناه (TEV-DEM)، وهو سبب للاختلاف والتصادم معه، ووثيقة الاتفاقية الموقعة مع الائتلاف ما هي إلا حبر على ورق لم يعمل بها، وقد نسفتها من أساسها وثيقة قانون السيادة التي أصدرتها الائتلاف عقب التوقيع عليها، وأصبحت عضوية المجلس الكردي (ديكوراً) تجميلاً وتكميلاً للإطار، ونفعاً مالياً لبعض قيادات المجلس المتنفذين ومن يقف خلفهم ويدير أمرهم، وقد اتضح ذلك من خلال مؤتمرات جنيف والرياض وأخيراً مؤتمر لندن الذي قدمت فيه الهيئة العليا للمفاوضات رؤيته النهائية للحل السياسي، والتي خلت مبادئها العامة من الحدود الدنيا لمطالب المجلس ووثائقه السياسية تجاه شكل سوريا المستقبل ووضع الكورد فيها، وهذا ما يثير السخط والغضب لدى الشعب الكردي تجاه موقف المجلس وموقعه في الائتلاف السوري المعارض، وهي بمثابة إنذار للكورد للتيقظ والحذر ومراجعة الذات والاستعداد للأخطر والأسوء مستقبلاً.

.

وبذات الوقت أسس حزب الاتحاد الديموقراطي (PYD) مجلساً خاصاً به (EGRK) بعد انسحابه من لجان التحضير والإعداد للمؤتمرالأول لـ(ENKS) قبيل انعقاده بأيام قليلة، ومنذ ذاك التاريخ أصبح منافساً وخصماً للمجلس في توجهاته وفعالياته، وتفرد بمشاريعه السياسية بعد فشل محاولات رئاسة الإقليم للتوفيق بين المجلسين عبر اتفاقات هولير ودهوك التي لم تر النور، ونفذها وفق فلسفته ليشكل إدارة ذاتية بكامل قوامها العسكرية والأمنية والإدارية والخدمية والقضائية.. كسلطة أمر واقع في المناطق الكوردية، بعد تطوير هيكليته التنظيمية إلى (TEV-DEM)، إلا أن مصير الإدارة مجهول (لعدم وجود وثيقة أو ضمانة توفر لها الشرعية الوطنية والدولية) ومرهون بالاتفاقيات والتوافقات الدولية، وبدا جلياً بعد الانقلاب الفاشل في تركيا وتداعياته، وتدخل قواتها في جرابلس بموافقات دولية وفي مقدمتها روسيا وأمريكا التي تؤمنان غطاءاً جوياً لقوات سوريا الديموقراطية في معاركها ضد داعش وتقدمها في المناطق التي يسيطر عليها، وقد تزامن مع ذلك تحركات النظام السوري وبلاغاته العسكرية ضد الإدارة الذاتية (قصف الحسكة بالطيران والمدافع) نتيجةً للتفاهمات الجارية مع تركيا، واتهامه لقوى الآسايش بانتمائها إلى الـ(PKK) المحارب من قبل تركيا رسمياً وعلنياً والمصنف عالمياً ضمن قائمة المنظمات الارهابية(؟!)، وهذا ما تستغله الدول المقتسمة لكوردستان كثغرة تمر عبرها وتستغلها للنيل منه واجهاض ما حققه من مكاسب وانجازات.

.

ما بين الإطارين الرئيسيين المتنافسين أطراف أخرى أبرزها التحالف الوطني HEVBENDîالذي يتكون معظمه من أعضاء سابقين في الـ (ENKS) أحزاباً ومستقلين، يدَّعي الحياد والاستقلالية في التوجه والحراك انطلاقاً من الخصوصية السورية قومياً ووطنياً في مواقفه ورؤاه، لكنه يصطدم بالفيتو وعدم الاعتراف من قبل ENKS ورفض اللقاء، ويلاقي من TEV-DEM معاملة التعالي والاحتواء ومنع الشراكة والارتقاء، بالرغم من تعامله الايجابي مع الطرفين محاولاً التوسط بينهما لأجل ترميم البيت الكردي وتوحيده، وبشكل خاص مع الإدارة الذاتية، والتي لا تستند العلاقة معها على أية وثيقة أو إتفاقية للتفاهم والعمل المشترك بينهما.

.

فيما سبق أردنا تسليط الضوء على وضع الحركة الكوردية الراهن بتسمية أطرافها الرئيسية وبيان واقعها ومجال حراكها وجدوى نضالها وشكل مستقبلها، واستخلاص بعض الأمور والقضايا التي تعني الجميع وتهمهم بدون استثناء لأن الكل ركاب مركب واحد، وتعتبر من الثوابت القومية المستخلصة من التجارب السابقة ومنها:

.

1) إن القوة تذلل الصعاب وتفرض المواقف وتحقق الغايات، وقوة الكورد في وحدتهم، وتشتت الحركة الكوردية تدل على الضعف والإحباط والفشل المؤكد من خلال القراءة التاريخية والحالية والمستقبلية.
2) عدم اجتماع كافة تيارات واتجاهات الحركة الكوردية بتحالفاتها وامتداداتها تحت سقف واحد، يعطي ذرائع ومبررات للقوى المتربصة بالتدخل وتقويض كل ما أنجزه أو ينجزه أي طرف بمفرده.

.
3) لا يمكن لأي طرف كوردي لوحده أن يدّعي تمثيل الكورد مهما بلغت قدراته وإمكاناته، ولن ينال الاعتراف والشرعية والدعم من الكورد ثم من الأشقاء والأصدقاء، ولن يجني سوى الخيبة والندامة وتكرار الانتكاسات والمصائب.
4) الانضواء تحت راية القوى الكوردستانية، والامتثال لأوامرها تنفيذاً لأجنداتها، والدخول في صراعاتها وتوافقاتها، وجعل قضيتها رهينة لعلاقاتها ومصالحها الإقليمية والدولية، والابتعاد عن الخصوصية الكوردية في سوريا، هروب من المهام والاستحقاقات المنوطة بها.

.
5) الانضمام (أوالاشتراك) لأي إطار أومحفل أومنصة أو لقاء يخص الكورد ويتعلق بالوضع السوري والكوردستاني يتطلب الاتفاق خطياً ويتضمن نصوصاً ومواداً تحفظ الحد الأدنى من الحقوق المشروعة للشعب الكردي وبرعاية جهات دولية معتبرة.
6) يجب توخي الحذر والدقة في التفاوض مع القوى الدولية والتفاعل مع مشاريعها، وتجنب السقوط في أحابيل استخباراتها، والتعامل معها وفق اتفاق خطي واضح الشروط يحصن موقع الطرف الكردي ويضمن حقوقه.
7) التعددية والمزاجية في الخطاب السياسي الموجه للرأي العام الكردي والمحلي والعالمي رسمياً وشعبياً، تتلبس بالديماغوجية والانتهازية، وتفقد أصحاب الخطاب المصداقية والشرعية والأهلية والصلاحية لدى العامة والخاصة (وهذا بحث بحد ذاته).

.
8) عدم التزام أية أطراف كوردية بثوابت القضية والتنازل عنها عند أول انعطاف، والمساومة عليها لقاء مكاسب آنية وزهيدة، أوإرضاء لجهات وصيّة ومموّلة لها، أو رداً على خصوم لأجل إضعافهم وإفشالهم، يعتبر تخاذلاً وتقاعساً عن المهام وخيانة للمبادئ وتفريطاً بالحقوق.

.
9) المراهنة على الأنظمة المقتسمة لكوردستان، والاعتماد على دعمها العسكري واللوجستي، وبالتالي الوثوق بتعهداتها ومشاريعها(المؤجلة) المبنية أصلاً على معاداة الكورد وإنهاء قضيتهم، ضرب من الغباء وشكل من الانتحار، وتجارب الكورد مريرة وأليمة في هذا المجال(والأمثلة كثيرة).
10)غياب الشفافية والصراحة في سياسات الأطراف الكوردية وعلاقاتها، وعدم توفر عوامل ضمان النجاح على الصعيدين الذاتي والموضوعي، مبعث للفساد وخداع للذات وتضليل للعباد واستهتار بالبلاد.

.

توجد الحالات والصفات السابقة ذكرها في جميع الأطراف الكوردية بدون استثناء ولكن بشكل نسبي ومتفاوت، لذلك نرى فرص النجاح قليلة في بلوغ أهدافها ومراميها، وهذا ما يتطلب منها القيام بخطوات مستعجلة وإجراءات ضرورية لضمان أهليتها وجدارتها في تحمل أعباء القضية وشجونها والقيام بمسؤولياتها التاريخية وقيادة الكرد إلى بر الأمان:

1- ضرورة توفير جميع شروط ومواصفات المناضل الجيد والحقيقي في تنظيمات الحركة من صدق وإخلاص وجدية وتضحية وجرأة وحكمة..، لتكون قادرة على إصدار القرارات الحازمة والحاسمة وإتخاذ الاجراءات الصحيحة والمناسبة في مكانها وزمانها.

.
2- العمل الجاد والحثيث لعقد مؤتمر عام وشامل لكافة القوى الكوردية الفاعلة على الساحة، تنبثق عنه مرجعية كوردية (منتخبة على أساس الخبرة والكفاءة والأهلية..) تكون قادرة على تمثيل الكورد واثبات حضورهم وتأمين حقوقهم ضمن الفرصة التاريخية السانحة.

.
3- التأكيد على استقلالية المرجعية الكوردية المطلوب تشكيلها في هيكليتها التنظيمية ورؤيتها السياسية على غرار الجبهة الكوردستانية (وفيما بعد التحالف الكوردستاني) في العراق، وعدم الانضمام إلى أي إطار سوري، وحصر التعامل في التعاون والتنسيق والمشاركة مع الأطراف والجهات التي تلتزام بالرؤية المشتركة التي ستصدرها المرجعية العتيدة ، على أن تحدد شكل العلاقة وفق شروط ومبادئ موثّقة تحريرياً، مع بيان أوجه التوافق والخلاف في المجالات والمسارات المراد التشارك فيها(هذا البند من المقررات الأساسية للمؤتمر الأول لـ(ENKS) الذي تم تجاهله وإلغاؤه فيما بعد).

.
4- السعي الدؤوب والفاعل لعقد مؤتمر قومي كوردي على مستوى جميع أجزاء كوردستان، لتشكيل مرجعية كوردستانية لوضع البرامج والمشاريع الاستراتيجية، وتحقيق التشاور والتعاون والتنسيق وتبادل الخبرات والإمكانات في كافة المجالات والأصعدة، وذلك لمنع حدوث النزاعات الكوردية – الكوردية والصراعات الحزبية والمواجهات العسكرية لغاية الهيمنة والتسلط والاحتكار.
5- اعتماد الاستقلالية الكوردية والخصوصية الوطنية لكل جزء في رسم السياسات واتخاذ القرارات، مع التأكيد على الاستفادة من العمق الكوردستاني في القضايا القومية المصيرية، دون التدخل في الشؤون الداخلية الخاصة لكل جزء.

.
6- تكثيف العمل السياسي والدبلوماسي والإعلامي والجماهيري لدى المنظمات الدولية والمؤسسات الدولية في مراكز القرار والجهات المعنية وذات الصلة والتأثير بشكل منظم ومدروس لكسب الدعم والتأييد للقضية الكوردية وفق خطابٍ موحّد ومحدّد.
7- الالتزام بالأولويات القومية ومن أهمها حماية إقليم كوردستان العراق وبذل كل الجهود والطاقات وتقديم كافة أشكال الدعم والمساندة لإجراء الاستفتاء وإعلان استقلال كوردستان، لأن إنشاء كيانٍ كوردي (دولة كوردية) هو نواةٌ ضرورية ليبلغ عموم الكورد أهدافهم النهائية أسوةً بباقي شعوب العالم.

.
وأخيراً: ما زالت التحولات جاريةٌ والأحداث متتاليةً، ولم تبلغ الأمور نهاياتها طالما بقي داعش قوياً مسيطراً على الأرض، ومرحلة المخاض والنزيف مستمرةٌ لم تتحدّد معالم وملامح المولود الجديد (الخارطة السياسية الجديدة) بعد، ولكن لن تدوم طويلاً أكثر مما مضى، وأمام الكورد قليل من الوقت لتجاوز هفواتهم وعثراتهم وخلافاتهم، وتوحيد صفوفهم وخطاباتهم، وحسم خياراتهم وتثبيت حضورهم وتأمين حقوقهم قبل فوات الأوان، والاستعداد لمرحلة أهم وأصعب وهي مرحلة ما بعد داعش حيث ستظهر نزاعاتٌ وصراعاتٌ من نوعٍ آخر وبشكلٍ آخر ستكون أكثر حدةً وخطورةّ وتعقيداً، وستختلف قواعد الاشتباك عن القائمة حالياً لأن الجروح عميقةً والانتقامات حادة والتقسيمات جادة ضمن الدولة الواحدة، ستحتاج إلى عملياتٍ قسرية شاقة وأليمة في ضوء التعنّتات والممانعات المبنيّة على أسسٍ ايديولوجية (شمولية-عنصرية) خلال عقودٍ في ظل أنظمة دكتاتورية توليتارية قائمة على أمجاد إمبراطوريات قديمة منهارة، لاسيما أنّ الكورد موزّعون بين أربع دولٍ من هذا الصنف ومرشحون عالمياً ضمن القراءات والظروف الراهنة ليكونوا فاعلين في الحكم والقيادة والادارة وتقرير المصير لهذه البلدان.

——————- انتهت ——————-



شاركنا الخبر
أخبار ذات صله

التعليقات مغلقة.
فيسبوك
%d مدونون معجبون بهذه: