محرك البحث
” الشريك المفقود “
احداث بعيون الكتاب 24 مايو 2015 0

على خلفية “الربيع العربي” أو الحراك الجماهيري ضد أنظمتهم الدكتاتورية , سميه ما شئت, كان للدول ذات الشأن في العالم دور بارز في توجيه ذلك الحراك, إنطلاقاً من أنها تمتلك القوة, وقوة الشرعية للتدخل في ذات الشؤون العامة للدول والشعوب…

.

وفي مقدمة تلك الدول هي الولايات المتحدة الأمريكية و من تدور في فلكها من الدول في مواجهة روسيا و حنينها للدور القائد في مرحلة الحرب الباردة, وتلك الأنظمة التي تريد أن يكون لروسيا دوراً في مواجهة المشاريع الأمريكية على مستوى العالم.. وذلك للحفاظ على مواقعها مع هذا الإعصار الذي يبدو أنه سيخرج شيئاً ما مع تموجاته في سوريا.

.

أما الدول المستسلمة لهذا أو ذاك فهي لا تتجاوز إلا أن تكون بيادق في لعبة شطرنج على طاولة العمالقة. على خلفية و نتاجات الحرب العالمية الأولى تحركت بريطانيا العظمى و فرنسا كبريا الدول الإستعمارية في تلك المرحلة باتجاه وضع خارطة لتركة الإمبراطورية العثمانية, توزع من خلالها مناطق نفوذ لهما, وكانت حصيلة ذلك تشكيل كانتونات ما تشبه الدول تدار بشكل مباشر زعماء قبائل عربية ضمن إطار حددتها بريطانيا و فرنسا على أن تكون تلك الكانتونات تحت وصايتهما لمدة 25 عاماً, وذلك تحقيقاً لمصالحهما من دون تواجد عسكري مباشر والذي يكلف أموالاً طائلة طالما أن هناك من يستعد للقيام بدور العسكر لهما بدون مقابل عدى عن أن يكونون في موقع القيادة من دون إرادة مع وجود جنرالات إنتداب يأمرون و ينهون وفقاً للسياسات التي ترسمها الدولتين الإستعماريتين..

.

ومن لا يسمع باتفاقية سايكس ـ بيكو المشهورة والتي شكلت كل هذه الكيانات التي نعاني من تشوهاتها جميعاً؟ ومع ودع الحرب العالمية الثانية أوزارها, بدأت الدولتين إنسحاب قواتها من هذه “المستعمرات” وترك تلك الكانتونات للعابثين بمصير شعوبهم تحت مسميات “دول” تحكمها ضباط متسولون عماهم الجهل و الطمع ليصبحوا شرازم ضعيفة يؤتمرون بأوامر إستخبارات الدولتين الكبريين بعيداً تحقيق مكتسبات لشعوبها, هدفهم جمع المال و قمع الإنسان.. والتي شكلت عبئاً لا يطاق تلك المرحلة التي ما سميت بالحرب الباردة على خلفية تشكيل أحلاف عسكرية بين الدول بعيد الإنتهاء من أعمال الحرب العالمية الثانية عام 1945…( حلف الناتو التي كانت تقوده الولايات المتحدة وحلف وارسو الذي كان بقيادة الإتحاد السوفيتي السابق). ومن أجل الحفاظ على ضمان الأمن وسلامة الحلفين ومصالحهما,وكذلك عدم إقدامهما لإشعال فتيل حرب عالمية ثالثة, تم توزيع مناطق النفوز في العالم وخلق توازن إستراتيجي عسكرياً و جغرافياً, بما فيه حسبان مواقع الطاقة و ساحات الإستثمارات العملاقة..

.

أي أن الحلفين أخذا أمكنة الدول الإستعمارية لإدارة العالم إنطلاقاً من تحقيق مصالحهما.. أما تلك الدول التي نشأت على خلفية خارطة سايكس ـ بيكو توزعت بين الحلفين المذكورين و بقيت دولاً ضعيفة تديرها الأقزام بدعم هذا الحلف أو ذاك, والشعوب ضحية تعاني من الإضطهاد المبرمج و الممنهج من أجل إبقاء شكل الأنظمة على ما هو عليه للحفاظ على التوازن الدولي , مما أدى إلى إبقاء الفقر و الجهل هما المرض القاتل لشعوب المنطقة مع الإبقاء على الخلل الإجتماعي و إبعاد حالة التجانس بين مكونات هذه الشعوب في دولة واحدة, لتكون بؤراً ساخنة مع حالة من الخمود تلتهب عند الحاجة إليها. لكن في حقيقة الأمر, وبعد إنهيار الإتحاد السوفيتي مع طرح رئيس الإتحاد السوفيتي غورباتشوف نظريته باسم ( بروستريكا ), ومع بداية إنتشار العولمة, إنهارت تلك التوازنات الدولية بين الدول, و تفككت الإتحاد السوفياتي لتستقيل جمهورياتها عنها بطرق سلمية,وكذلك بدأ الرابط الإجتماعي والسياسي المفروض من الأنظمة على الشعوب بالإنفكاك. مما أدى إلى إنتاج خارطة جديدة في أوروبا الشرقية و إنهيار جدار برلين.. وكأن بذوغ فجر جديد أنار القرن الأوروبي بأكملها.. لكن التحول الديمقراطي الذي غطى على أوروبا الشرقية و الجمهوريات السوفياتية تخلفت عنه منطقتنا لإعتبارات إستراتيجية في منظار الدول الكبرى خوفاً من أن يؤدي الإنهيارات في الأنظمة إلى ضياع و فقدان مصادر الطاقة, مما سيؤدي إلى كوارث إقتصادية في العالم..

.

لذلك تم التعامل مع الأنظمة في الشرق الأوسط و شمال أفريقيا بطريقة أخرى “أكثر مرونة و استلطافاً” مع إرسال رسائل جدية للأنظمة الحاكمة, “يجب أن تغير سلوكها مع شعوبها و إعطائهم قدراً أكبر من الحريات”. لكن يبدو أن الأنظمة في منطقتنا بقيت على جهلها و رفضت أن تصدق حقيقة تلك الرسائل, بعكس قراءة شعوبها لحقيقة المرحلة, والتي تحمل معها ضرورة التغيير نحو الحرية والديمقراطية مع إنتشار العولمة و الإنترنيت بحيث جعلت من العالم قرية صغيرة, لا يمكن إدارتها بعقلية قرون الوسطى, و أن المعلوماتية أصبحت تخترق تلك القلاع المانعة التي شيدتها تلك الأنظمة لبقاء شعوبها بعيداً عن التطورات والمفاهيم الديمقراطية… ما أدت إلى إشعال ولاعة في تونس بدأً من جسد “بوعزيزي” فلا تنتهي بمنتهى الذي تتمناها الأنظمة الحاكمة التي لم تعد تقبلهم المرحلة بتطورها التاريخي الحتمي. ومع إنفجارات التي أودت بإنهيار الأنظمة تحركت روسيا لتكون سداً منيعاً أمام أي تحول ديمقراطي في المنطقة “وبكل السبل”..

.

لتكون شريكاً فاعلاً في قمع الشعوب إلى حد الإبادة من أجل الحفاظ على الأنظمة و الإبقاء عليها كوصي كما فعل الإستعمار في مراحل سابقة حفاظاً على مصالحها الإستراتيجية التي تربطها بتلك الأنظمة الإستبدادية التي جعلت من بلدانها مزرعة و من شعوبها عبيداً و عمالة في مزرعتها… لكن, ألا تدرك روسيا بأن متابعتها و إصرارها على البقاء في موقعها من التحولات التاريخية ستكون عامل حسم في تمزيق المنطقة و تجزئتها إنطلاقاً من حساباتها الدقيقة التي لا يمكن الإفراط بها مهما حصل؟ أعتقد أن المنطقة برمتها أمام مخاض عسير و دامي. وقد تكون سوريا عتبتها, فلا يمكن إحاطتها من خلال الإبقاء على النظام..

.

و أن إرادة الشعوب و مصالحها هي التي تفعل من أجل إستصدار القرارات التي يمكن الإعتماد عليها بعيداً عن الرغبات التي تدير بها الأنظمة لدول لم تعد دولاً قياساً بالمرحلة التاريخية والتطورات الهائلة على مستوى العالم… و أن السيل الجارف عند تحريك الشعوب لا بد أن يواجه منعطفات و إلتواءات عبر الأنفاق الضيقة ليؤدي في سبيله نحو آفاق واسعة ليشمل البلد بأكمله.. عندها فقط سيكون الإنتصار..

.

وعندها فقط سيقرر المصير بإرادة لا يمكن تجاوزها.. وليبقى دور الشركاء فيه وفقاً لمصالحها المتوازنة التي لا تنتفي جوهر مصالح الشعوب و سيادتها على أراضيها, مع إمتلاكها كامل ثرواتها وبكافة أشكالها و أنواعها. أعتقد أن الشعوب في المنطقة, وخاصة السوريون منهم لم يعثروا على هذا الشريك المنوازن, لطالما أن الكبريين “روسيا و أمريكا” لم تتفقا على خارطة ستنتجها المرحلة, و أنهما لن تتركان للشعب السوري حرية الإختيار لتقرير مصيره, طالما أن العملية لم ولن تنتهي في سوريا, حيث أنها تمتلك عمق إستراتيجي نحو الجوار الإقليمي سلباً أم إيجاباً, وبالتالي ستسبب إزعاجات حقيقية لبعض الدول من هذا الطرف أو ذاك, وستضر بمصالح الآخرين..

.

لكن الثابت في الأمر أن المنطقة برمتها تتجه نحو التغيير لأن شعوبها لم تعد تتوقف طموحاتها إلى حد الذي كانت قد حددتها لها أنظمتها.. وعلى الأنظمة والدول الفاعلة عليها أن تدرك هذه الحقيقة و تتفاعل مع الأحداث و التطورات على هذا الأساس.. وتدرك أن الشريك الحقيقي للحفاظ على مصالحها هي الشعوب وليست الأنظمة..

.

لذلك أعتقد ومن منطلق واقعية التعامل مع الأشياء فإن الولايات المتحدة أكملت دراستها لتحديد مستقبل المنطقة, وهي تبحث عن شريك تخفف في ذلك من صعوبة التحولات التي سوف لن تخلو من الإرهاصات في بعض الحالات, كون الأنظمة هي أيضاً تمتلك قوة لا تستهان بها, وهي كفيلة بالحفاظ على الأنظمة وبالقوة..

.

وهذا ما يشكل تخوفاً مشروعاً لدى المجتمع الدولي من أن ترتكب كوارث إنسانية و إجتماعية خارج كل الحسابات.

.

————————————– أحمــــد قاســــــم 23\5\2015



شاركنا الخبر
أخبار ذات صله

التعليقات مغلقة.
فيسبوك
%d مدونون معجبون بهذه: