محرك البحث
المثقف ودوره
آراء وقضايا 19 ديسمبر 2016 0

حاجي سليمان …. 

.

عرف المثقف عبر التاريخ عن غيره بانه انسانٍ نبيل وحيادي يمثل دوماً ضمير الشعب ، له رأي حر بعيداً عن الاملاءات لايتبع أحداً بقدر ما يتبع الحقيقة ، ولا يستمد أفكاره الا من الواقع وما يعيشه ، يسعى الى التغيير نحو الأفضل ويبحث عن الإبداع والأفكار التنويرية لصالح الجميع ، يقديم ما يمكنه من الاقتراحات والاراء حول مفهوم التطور وعن كيفية مواكبة العصر ، يجاهر ويعلن عن رأيه اينما كان وحيثما حلّ ، صارماً في رأيه ، لا يثنيه الضغوطات ،لا يتنازل عن قناعاته ، يعارض دوماً المواقف والممارسات اللاديمقراطية ، الخارج عن المألوف المتبع في ظل الحكومات والأحزاب والحركات القائدة ، ويعلن رفضه القاطع لكل ما هو غير قانوني ، يطالب بما هو خير للشعب والجماهير .

.
للمثقفين ادوار مهمة يختلف من مثقف الى اخر وفق درجة علمه ووعيه اويمانه بالثقافة ودورها الاصلاحي في المجتمع والدولة بناء على مقتضيات الضمير والوجدان الانساني ، الا انهم وللاسف ينقسمون الى فئات متعددة كما هو واقعنا الى الايديولوجيات والافكار والسياسات الظلامية منها والحقية ،هناك من يتسترون وراء من هم يفضلون الغايات والمصالخ الشخصية على القيم والمبادئ ضاربة عرض الحائط كل القيم والقوانين الانسانية ، و نمط اخر من المثقفين يدعون بالحقيقة ويتظاهرون بقول الصدق لكن الحقيقة والصدق منهم براء ، و فئة يدعون التسلح بثقافة التسامح والتعاون بين الجميع لكنهم لا يدرون بماهية وموجبات ومستلزمات التسامح المنشود ، في دواخلهم الباطنة نزعات دكتاتورية قاتلة ، وهناك من يدعون بالعقلانية والتفكير السليم لكن جمجمتهم على الاغلب فارغاً لا يحتوي الا على التبعية العمياء لنوع واحد من التفكير ولون واحد وحزب واحد وقائد واحد مقتنعين بخططهم ويدعون بان كل من لايؤمن بماهم مؤمنين به فهو على خطأ لا بل في خدمة الاعداء ، وفق نظرهم وثقافتهم المنقوصة اصلاً .

.
فمن الطبيعي سيتعرض المثقف الواعي الشريف الى اقسى انواع القهر والحرمان والحيل بغية تحييده من قول الحقيقة و نسيانه كل ما يفكر به ضد السياسات والممارسات والقوانين الظالمة ، وهناك من يدعي بالديمقراطية والانفتاح شكلاً لكن ممارساته تدعي عكس ما ينادي به فقط لنفسه ولكل من في فلكه الفكري الناقص ولا يريد لا بل لا يقبل سماع بقية الآراء والأفكار وليس في عقله مكان لقبول الرأي الآخر المخالف ، انه أسير فكر ظلامي استبدادي فاسد ، حيث التكلس طغى على عقله مما تأخر عن ركب الحضارة الإنسانية مكتفياً بالتقيد والتبعية العمياء لا بل العيش على هامش الحياة المتحضرة والأوهام الخلبية آمناً منه بصدقية أفكاره الثاقبة والنادرة المتجهة نحو المبتغى ..

.
وفي المقابل هناك فئة قليلة من المثقفين الذين يقفون على النقيض من هذا التوجه الذي هو في نظرهم تبعية عمياء لأنظمة وأحزاب فاسدة تجاوزها الزمن ، فيحاولون أصحاح المسار الأعور وفق معطيات ومستجدات حضارية انطلاقاً من الواقع في تذليل المعوقات وطمس الأفكار الظلامية في إيضاح المعالم وكشف المستور في التهجم على الخطط والأفكار المضرة والأبتعاد عن المظاهر الاستنساخية تقليدياً لما هو زائل بحكم الطبيعة والتطور البشري.
تاركاً المجال الغيبي لمن كرس حياته في خدمة الدين والآخرة المتعلقة بالديانات السماوية المعمقة فلسفة وعلماً وتطوراً من كل ما وصلت إليها البشرية من الحضارة والتكنولوجيا الحديثة ..

.
فدور المثقف الحقيقي في خدمة شعبه التربوي والمعرفي لاتقل أهمية من دور القائد السياسي في قيادته ولا العسكري في حمايته لذا لابد من توفر بعض الصفات والسجايا الحميدة للمثقف ، الاستقلالية الفكرية سياسياً واجتماعياً واقتصادياً ويقظة الضمير الإنساني ، والشعور بالمسؤولية تجاه شعبه أخلاقياً وسياسياً وتسلحه بثقافة التسامح والعدالة الاجتماعية وقبول الآخر المخالف والاستماع اليه بغية بناء جسور الثقة بين الجميع للانطلاق نحو مجتمع يسوده القيم ومبادئ حقوق الإنسان وفق راهنه القائم بعيداً عن التشنجات والإملاء آت من احد …

.
ولكن للأسف الشديد ما نلاحظه راهناً نجد الخليط من التوجهات الفاسدة والغير مستندة الى أي معايير قيمية ذات أبعاد مستقبلية ممنهجة ، ولا خطط ومشاريع بحثية عن المفقود الذي سببت ولوجنا في عالم الضياع الشبه الكلي عن مواكبة العصر ، والتخبط بالمواقف والممارسات نتيجة الطغيان واستبداد الفكر الجبري لا بل المستوردة من خارج مجال تفكيرنا ، والاستهتار الكلي بما يصدر من مثقفين الذين يودون التجديد من الكتاب والباحثين الذين يسعون جاهداً لخلق منهجية مستقلة توافق المتطلبات الراهنة …..
مما تتراجع الميول والأفكار القديرة في تقييم الأحداث وفق منهجية علمية عن ظهورها خوفاً واضطراباً وقلقاً من القادم المجهول بحقهم ، والسكوت عن ما يجول في دواخلهم من معرفة الحقائق وكشف المستور منتظراً الأجواء الديمقراطية التي قد لاتأتي بداً .

.
فالمثقفون الحقيقيون قلائل جداً الذين يستطيعون الصمود في وجه الرياح العاتية ويملكون الشجاعة الكافية لقول لا وألف لا للمواقف والممارسات الفاسدة التي تضر ولا تفيد ، وهؤلاء المثقفون لايريدون تغطية وجوههم ولا تغيير اشكالهم في مواجهة المواقف والممارسات الفاسدة ، ويطالبون علناً بوضع المناسب في المكان الذي يلبق له ، ولا ان يستهتر بوضع العالم والمثقف ، فلا يصبح الجاهل مصلحاً مهما تغير الظروف وسيبقى فاسداً مهما علت شأنه ليس فقط في المصلحة العامة وانما حتى في مبتغاه ايضاً….

.
فالحقيقة وقولها تضحية تضحية بذاتها لذا نرى الكثير من الناس يهربون منها ويكولكون وراء من لهم قوة ونفوذ بغية كسب العظام …   

60


شاركنا الخبر
أخبار ذات صله

التعليقات مغلقة.

%d مدونون معجبون بهذه: