محرك البحث
” المجتمع الدولي والأزمة السورية – عبد الحميد درويش “
بيانات سياسية 12 سبتمبر 2015 0

عندما هبت جماهير درعا في الخامس عشر من آذار 2011 ضد الممارسات الوحشية لأجهزة الأمن ضد أبنائها، عمت هذه الانتفاضة بسرعة قياسية جميع أنحاء سورية نتيجة القمع والكبت من قبل هذه الأجهزة التي كانت سيفاً مسلطاً على رقاب الناس طوال 50 سنة. وكان تقدير الوسط السياسي هو ان النظام سيلجأ الى استعمال القوة لإخماد التظاهرات السلمية، ولن يركن إلى الحل السلمي والحوار لمعالجة هذه الأزمة. وبالفعل، استخدم النظام القتل منذ البداية ولم يتردد في هذا الأسلوب الشرس، وكان الخطأ الكبير من جانب المتظاهرين هو ان البعض لجأ إلى استخدام السلاح في وجه سلاح النظام للرد عليه، دون حساب عواقب هذا العمل الذي سيؤدي حتماً الى تغيير مسار الانتفاضة والمظاهرات وإعطاء النظام ذريعة لاستخدام القوة والشدة المفرطة في مواجهة الجماهير.

.
لقد أوردنا بعجالة كيف بدأت الانتفاضة، وغايتنا ليست سرد المراحل التي مرت بها ثورة الشعب السوري، وإنما نهدف إلى التطرق الى موقف المجتمع الدولي من هذه الانتفاضة وعلى الأخص موقف أمريكا و روسيا اللتان تتحكمان بسير الأحداث منذ بدايتها. فقد وقفت روسيا الى جانب نظام البعث بكل إمكاناتها الإعلامية- السياسية- العسكرية، واستخدمت مع الصين الفيتو لعدة مرات في مجلس الأمن لتعطيل قراراته الداعية الى إدانة ممارسات النظام تجاه المظاهرات التي تقوم بها جماهير الشعب السوري ولم تأبه بنداءات هذا الشعب السوري المطالبة بالحرية والديمقراطية، وظلت روسيا على هذا الموقف بحجة ان سقوط النظام يستفيد منه المتطرفين، وتابع الروس موقفهم الى يومنا هذا، وعندما كانوا يطرحون الحل السلمي كانوا يطرحونه وفق مقاساتهم ليس الا، وبما يخدم نظام البعث. وبهذا يستطيع المرء القول بأن موقف روسيا كان واضحاً جداً وهو الوقوف الى جانب النظام بكل ما أوتي من قوة، وهو لن يطرح حتى الان ما من شانه تحقيق سلام حقيقي في سوريا، بل يريد ان تستمر هذه الحرب حتى يصبح النظام هزيلا وأسيراً بيد الروس، لا يستطيع أن يرد لهم طلب في تحقيق مصالحهم.
أما موقف أمريكا في ظل إدارة الرئيس باراك أوباما، فلا يستطيع المرء أن يحدد لهذا الموقف وهذه السياسة اطارا معيناً، وهي وان كانت تختلف شكلاً لكنها تتوافق مضمونا مع الموقف الروسي، فالرئيس أوباما دعا مراراً وتكراراً الى ايجاد حل سلمي لازمة سوريا بمعزل عن الرئيس الأسد كونه جزءاً من المشكلة ولا يجوز ان يكون جزءاً من الحل وفق ما يطرحه الرئيس أوباما وكان بهذا يطمئن الشعب السوري والمعارضة بأنه ضد نظام البعث، لكن الحقيقة لم تكن هكذا أبدا، فالرئيس أوباما عارض وبشدة تسليح الجيش الحر الذي يمثل المعارضة بأسلحة ثقيلة حتى يستطيع الدفاع عن النفس ورد هجمات النظام وهجمات المنظمات الإسلامية المتطرفة التي فتكت به في كثير من مناطق سوريا وقضت على المئات من عناصر هذا الجيش.

.
ان موقف الرئيس أوباما هذا أفسح المجال أمام المنظمات المتطرفة أن تفتك بالجيش الحر وتتوسع على حسابه كما هي اليوم، ويتذكر السوريون جيداً كم من المرات وضع الرئيس الأمريكي الخطوط الحمراء أمام النظام بعدم استخدام السلاح الثقيل والمدفعية والطيران، وقد تخطاها النظام ولم يبالي بهذه الخطوط الحمراء الباهتة.

.
من سرد الوقائع وسير الأحداث يستنتج المرء أن هناك تفهماً ضمنيا بين أمريكا وروسيا على ان الوقت لم يحن بعد على وقف الحرب الدائرة في سوريا، وإنهما لا يريدان حسم الموقف عسكرياً وانتصار طرف في هذه الحرب على الطرف الأخر، بل ان يحتفظ كل فصيل بالمقاطعة التي تحت سيطرته، ويحكم النظام ما تبقى تحت سلطته وتبقى الأمور هكذا حتى اشعار أخر.

.
وتحت ضغط الرأي العام العالمي والدولي عقد الرئيسان الأمريكي والروسي في جنيف في 30 حزيران 2012 اجتماعا لمعالجة الأزمة السورية وأعلنا اتفاقا سمي باتفاق جنيف (1) يقضي بتشكيل حكم انتقالي كامل الصلاحيات، لكن هذه الاتفاقية لم تر النور بعد ثلاثة أعوام وظلت حبر على ورق، ومن الجدير ذكره أن المنظمات الإسلامية المتطرفة لم تكن موجودة في سوريا قبل هذه الأحداث المؤلمة، وهذه الحقيقة يعرفها جميع السوريين والوسط السياسي وقد تشكلت هذه التنظيمات في ظل الحرب الأهلية وبدأت في الظهور على المسرح منذ أواخر 2012 وهي تتمتع اليوم بقوة عسكرية ومالية وشعبية هائلة يصعب قهرها بسهولة، واستمرار أجواء الحرب والتوتر في سوريا هو فقط لصالح وانتعاش قوى التطرف الإسلامي وليس لصالح النظام أو المعارضة. وهنا نذكر ما أوردته صحيفة الشرق الأوسط في عددها (12864) تاريخ 16 شباط 2014، حيث تقول الصحيفة بالمانشيت العريض (ممثل الأكراد في وفد المعارضة المفاوض يقول: إذا لم نتفق قريباً سيسيطر الإرهابيون الى كل سوريا) وكان ممثل الأكراد يومها عبد الحميد درويش.
ومن السهل معرفة ما حققته التنظيمات المتطرفة منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، حيث سيطرت على مدن وبلدات واسعة من سوريا. وهي لم تكتف بسوريا بل مدت نفوذها الى بلدان أخرى مثل العراق حيث سيطرت على محافظات كاملة فيها، إضافة إلى السعودية ومصر وتونس واليمن، ولا ندري أين ستحل غداً.

.
ومن الضروري أن نشير إلى أن تقاعس المجتمع الدولي في مواجهة هذا الخطر الجسيم سيعرض ليس منطقة الشرق الأوسط وحسب، بل والعالم بأسره لخطر شديد قد يؤدي بحياة الملايين من البشر في المستقبل، ومواجهة هذا الخطر الكبير لن يكون بالجيوش والطيران وحسب، وإنما يكمن بذلك بالدرجة الأساس في معالجة العوامل والأسباب التي ساعدها على التشكل والانتشار، وهذا يكون في معالجة الحرب الأهلية في سوريا التي شكلت بؤرة مؤاتية لهذه التنظيمات.

.
ويبقى بعد كل الذي جرى ويجري الآن من قتل وتدمير وتخريب في بلادنا، أن يتخذ النظام والمعارضة انطلاقا من الشعور بالمسؤولية الوطنية قراراً يقضي بإنهاء هذه الحرب القذرة، لإنقاذ سوريا الجميلة…

.
عبد الحميد درويش
سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا
11/9/2015



شاركنا الخبر
أخبار ذات صله

التعليقات مغلقة.
فيسبوك
إحصائيات المدونة
  • 1٬008٬486 الزوار