محرك البحث
خدعة ابنتي براف – قصة واقعية
احداث بعيون الكتاب 03 فبراير 2015 0

 

 

   بكلام هادئ، غير مفهوم، دار حديث بين أفين وبراف، ونحن على طاولة العشاء، نظرتا إليَ وعاودتا الهمس، إلى أن قالت براف، أنا سأذكرها له ماما، يجب أن يعرفها الأن، سردت الموضوع قبل أن تبدأ الوالدة بالحديث، اتبعتها أفين بحيثيات المشكلة.

.

   براف في الصف السابع، الثانية عشرة من العمر، عيون ما بين الخضار والزرقة الفاتحة، سوداء الشعر، فاتحة لون البشرة، قلما نسمع صوتها في الدار، تجلس في غرفتها أو مكتبتي بأبواب مغلقة لئلا يعكر عليها هدوئها أخوها وأصحابه الصاخبين دائما، تتحرك بهدوء، تجلس ساعات لتنهي الكتاب بيوم أو يومين، والروايات لا تفارق يديها حتى وهي على طاولة الغداء أو حينما تؤدي واجباتها المدرسية، حدث وأن اشترت الكتاب، وأنهته في الليل لتبدله في اليوم التالي في المكتبة بكتاب آخر، بحجة أنها لم تحبه أو أنه ليس الكتاب المطلوب (ستأتي الخدعة المقصودة لاحقاً) وهنا في أمريكا من السهل جدا إعادة أي غرض حتى وبعد أسبوع من الاستعمال.

.

إنها محاورة قوية، إذا رغبت في الحديث، وهي قليلة جداً، تناقش بهدوء وعناد، تسند كل نقاشاتها بأمثلة عن الكتب والإحصائيات المستسقاة من الحلقات العلمية، كثيرا ما تضع الصور والأمثلة الفكرية مجردة عن الواقع المادي، ونادرا ما تترك الجدال بدون صور شعرية أو إضفاء روح النكتة الذكية عليها، كتبت مرة عن القلب والعقل، وكيف أن الروح الشريرة والملائكة يبدلون أماكنهم بينهما، وفي النهاية تقول إن الفكرة غير علمية لأن العقل وحده مصدر كل العواطف، والقلب مجرد أداة.

.

 الحياة الأمريكية، تتذوقها فكرا ومعيشة، وتنقض الكثير فيها، تسأل عن حياتي الكردية وطفولتي وتقارن، وتجد ما اذكره مغامرة في عالم تجده لذيذا، مثلما يقول أبني (ديار، في الصف الرابع، التاسع من العمر) أتمنى لو أستطيع أن أعيش حياتك الطفولية لفترة، ويقارن واجباتي المدرسية الكثيرة حينما كنا نكتبها تحت ضوء اللمبة، بواجباته القليلة وعلى الطاولة وتحت الكهرباء الخاصة مع كل أنواع المكسرات، ويجدها مغامرة تشبه عالم ألعابه. ذكر مرة هذه المقارنة لمعلمته، استمعت إليه مطولا، كما ذكرها لنا فيما بعد، وتركته يدمج معها من خياله ليأتي ويذكرني بما أضاف من عنده، مستندا على خياله المركب من صور مدرستي الترابية وقريتي (نصران) التي شاهدها في بعض الصور القديمة كتلك التي عرضها طالبي العزيز الشاعر (علي أحمد) في صفحة (نصران) ومن مقارنة مدرستي المتهدمة جدرانها والمكونة من غرفة ونصف، بمدرسته العصرية والمترامية الأطراف، كنت اذكرها له في احدى المرات عندما ذرته لأشاركه الغداء في مدرسته، ونحن جالسين في مطعمتها، كيف كنا نتأفف جوعا، طوال فترة المدرسة، بل وحتى أحيانا في الدار، لقلة الأكل، وهو لا يطيق أكل المدرسة، ويحمل غدائه الخاص من البيت ويأكلها في مطعم نظيف مع مجموعة يخدمونهم، ومن بعدها في قاعة المكتبة المليئة بالكتب، والى جانبها صالون الكمبيوترات، وكنت في الواقع متأثرا بما كنا وما عليه اليوم أطفال الكرد وما هم عليه الأن هنا، وكنت ألاحظ اندماجه التام مع حديثي.

.

 انتبهت أن حديثي عن الماضي، تمتعهم كقصص خيالية مستسقاة من عالم غريب، تشبه تللك القصص التي كانت العمة جازوا تقولها لنا في ليالي الشتاء الباردة حول المدفأة، فكل شيء عن ماضيي لذيذ له ولأخته، ويقولها لأصدقائه، أصبح كثيرا ما يسألوني معاً عن العائلة والعدد الكبير من الإخوة والأخوات الذين كنا نشارك غرفتين  أثناء النوم، مقارنة بعائلتنا الحالية المكونة من أربعة أشخاص، والبيت الواسع والعديد الغرف، وغرفهم الخاصة المليئة بكل أنواع الإلكترونيات والكمبيوتر وما عداها، وكيف أن بيتنا سابقاً كان يمتلئ بنا في المساء وفي أيام الشتاء نلتف حول المدفأة، نوعيتها والمواد التي كنا نستخدمها للتدفئة، وكيف كنا ننام في غرف باردة، وكانت البوادي الواسعة مجالاتنا اللانهائية نصنع الألعاب ذاتيا، ونهر (سوبلاخ) الذي كان بالنسبة لنا المسبح والحديقة وأكثر، كثيرا ما اشرح واقعي وأقارنها بالأجواء المتوفرة لهم هنا، حدائقهم المتوفرة فيها كل أنواع الترفيه والمسابح الملتصقة بالدار، ومقارنات أخرى، كالرحلة التي كنا نقطعها سيرا في الأيام الباردة وتحت المطر وفي الطرقات الطويلة الموحلة، كالذي كنا نقطعه في المرحلة الثانوية من البيت إلى مدرسة العروبة، وبألبسة قليلة قديمة لا تقينا من البرد، وأقارنها برحلته بالباص الذي يقف أمام الدار مباشرة، وكنت قد أطلعته وأخته عليها من خلال خريطة الغوغل لمدينة قامشلو، وقريتي نصران. في أحد المرات عندما كنت أتحدث عن نوم جميع العائلة في غرفتين، قاطعني ليقول لي، بابا لهذا أريد أن أنام معكم في غرفتكم لنشعر بأننا عائلة متقاربة جداً، وكان جواب براف عليه حاداً ومضحكاً.

.

 براف تثور عند أية فكرة أو كلمة تمس التمييز العنصري، في اللون أو العرق أو الجنس، كثيرا ما تتهمني ووالدتها بأننا عنصريان، علما أننا أبعد الناس عنها، لكنها تلتقط كل كبوة في الحديث، ويؤيدها أخوها في هذا وفي القليل من النقاشات الأخرى معنا، في الوقت الذي هم في صراع دائم على كل شيء تقريبا، على خلاف في الطبيعة والحركة، والحديث وغيرها، أقربها، مثلما هي تعشق القراءة هو يكرهها، على طرفي النقيض من هدوئها، فهو مختصر الجملة والرد ودقيقها، لطيف الطبع والتعامل، بعكس براف، المنخفضة صوتا والمسهبة إذا كانت سعيدة، واللطيفة حسب المزاج، والمرجحة راحتها على كل ما عداها.

.

 هي من بين مجموعة الطلاب المتفوقين في المدرسة، لهذا عندما تخبرنا بأنها حصلت على الدرجة الكاملة اليوم لا تجلب إثارتي ووالدتها، بل إذا صدفت وذكرت أنها حصلت على درجة أقل ننتبه، ونسأل لماذا؟ هناك سبب ما؟! مثلما يحدث العكس بالنسبة لأخيها، وخاصة في مادة القراءة، التي لا يطيقها، وكثيرا ما يقول لماذا لا تكون البشرية مثلما كانوا في القديم بدون مدارس، وكانوا يعيشون، لكنه يتراجع عندما يأتي الحديث عن الإكس بوكس وألعابه، والأي بات، والتلفزيون، فيتراجع ويقول لكنني متفوق في الحساب والعلوم، وهؤلاء هم من صنعوا هذه وليس الشاطرين بالقراءة، كثيرا ما غرقت معه في هذه النقاشات الطفولية المحيرة، ويا ويلو إذا دخلت أخته في نقاش معه في هذه المواضيع، معارك بلا نهاية.

.

 لتفوق براف في المدرسة، عينت كنائبة عن المدرسة في صفوفها، فهم يتنقلون بين الصفوف حسب المواد، وهي في المدرسة بل وفي المجتمع، خجولة، وقليلة الأصدقاء، تختارهم بشق النفس، وهن يعدن على الأصابع، وإذا صادقت تكون متينة، لا تسمي الرفاق بالأصدقاء.

.

 قبل أسبوع كان عندهم امتحان لمادة الرياضيات، ذكرت بأنها أنهت الامتحان بسرعة ووقفت مع المعلمة ترتب أوراق الطلاب على طاولتها كمساعدة لها، لا حظت أثناءها أن ورقة أحد الطالبات اللواتي لا تعتبرهن من أصدقائها، مليئة بالأخطاء، وهي تعرفها وتعرف أن علاماتها  سابقا متدنية وهي راسبة، لذلك حركتها عاطفتها، وفكرت بأن تقوم بمساعدتها، انتظرت إلى أن خرجت المعلمة لسبب ما من الصف، حملت القلم وبدأت بتصحيح ورقة الطالبة، المكتوبة بقلم الرصاص، وعادة الامتحانات هنا، معظمها إما تسويد الدائرة أمام الجواب الصح، أو وضع الإشارة أمامها، وبراف بطيئة الحركة، وعندما تركز على شيء تنسى حولها كليا، وعلى ما أظن بتدقيقها في الأسئلة نسيت نفسها، ونسيت أن المعلمة قد تعود في أية لحظة، وحدثت، سألتها عما تقوم به، لم تكذب، وهذه صفة أخرى، لا تعرف الكذب، ولا التحايل، أو التبرير، وكثيرا ما تنخدع مع صديقاتها، بعكس ديار، الذي يجمع كل أصدقائه، على حديث، وهو أصغرهم جميعا سنا، ليمرر عليهم قضية، كثيرا ما اشتكوا عليه عندي، أو أذهب إلى صراخهم، وكثيرا ما حصل على لطمات من أخته، وفي النهاية يقول بانه كان يمزح، وعليه أن يلطف الجو.

.

 لبست براف الجريمة على ذاتها، واعترفت رأسا بأنها كانت تود أن تغش، لمساعدة الطالبة، وهنا بدأت القضية، بينها وبين معلمتها. الغش في المدرسة جريمة، مهما كانت الأسباب، والتبريرات. عاقبتها المدرسة، دون أن تذكرها لأحد، والغرابة هي في نوعية العقوبة: فرضت عليها أن تكتب خلال يوم واحد صفحتين في الغش بشكل عام، والخلفيات التي حفزتها على ذلك، وصفحتين في الاعتذار ليس للمعلمة بل للطالبة التي كانت تريد مساعدتها. وهنا سأورد مما كتبته، مترجما من الإنكليزية، وبدون تصرف، وهو ما شدني إلى كتابة القصة:

.

الغش أو الخدعة:

براف عباس

.27-1-2015

الغش حالة شائعة، كل إنسان يرتكبه على الأقل مرة في حياته، إنه شكل من أشكال الأنانية، وخطيئة كلنا نشارك فيها بطريقة أو أخرى، الخدعة لغاية نبيلة كالخطأ الغير مقصود، كل البشر وحتى الرؤساء يخطؤون، بارك أوباما يخطأ. لكنني هنا أتحدث عن نوع معين من الغش، كالخطأ غير المقصود، وليست تلك العامة. لنقل إن السجين هرب من زنزانته، أليس هو حق مشروع بالنسبة لمنطقه ومشاركيه دون عدالة القضاء؟  وأن بقي سيدفع ثمن ذلك من عمره، وسيتأسف لتفويت فرصة الهروب. وماذا لو قام رجل بسرقة من أجل سد جوعه؟ أليس صحيحا أن هذه الأعمال خدعة؟ الناس عندما يخدعون نوعان، أناني وغيور. فليس كل الغش مكروه، وسيئ، إذا كان لدى الفرد غاية نبيلة مقصودة، وكما أظن وحسب رؤيتي الغش من أجل مساعدة الآخر المحتاج ليست خطيئة سيئة. هؤلاء الناس هم لطفاء القلوب وشجعان، فهم بإرادتهم يواجهون العدالة في مجتمعهم لإخراج البعض من محنهم.

.

 الغش كالسرقة، ليس عدلاً. الرجل يسرق أكل الناس الذي تعبوا من أجل الحصول عليه، ولكن القوانين ليست كلها عادلة أيضا، كثيرا ما يعتم على مجالات الفقراء الذين فشلوا في حياتهم، أو متخلفين عقلياً، ولا يملكون قدرات تأمين معيشة جيدة. ولدتم تحت ظل هذه القوانين ولن تؤيدونها، بل فرضت عليكم. الطبقة المتوسطة من الناس يقبلونها ويكافئون على تبعيتهم، والمنسيون الذين أهملوا في العتمة معدومون، من كل شيء، فماذا يمكنهم أن يفعلوا ليعيشوا، غير الغش، أنه مصدرهم الوحيد والأخير. فهل هذا يعني أن القوانين بهذه الطرق عادلة أم لا في الطرفين؟  نعم ولا، حسب الحالات، رغم أن بعضها تحمينا من الاعتداءات.

.

 القوانين وضعت هناك لضبط النظام، لكن أن تغش بطريقتك، وتجاوز حدود القوانين، تعتمد على أجواء الفرد النفسية وشعوره، هل يفعلها لأنانية ذاتية أم لغيرة على البعض. تفكر، لماذا لا تستغل هذه الحالة المناسبة؟ لا أستطيع أن أقول بأنك مخطأ، لكنه ليس عدلاً حسب القوانين. إزاء المجتمع، المال، القوانين، والعمل، ليست فيها عدالة.

 ماذا نريد كمجتمع؟ حيث القوانين مفيدة للكل. بحيث لا تحتاج إلى الغش، لتحصل على ما تريد. اعرف انه تحد، لكنه لا يوجد سبب مقنع بأن لا تحاول مرة. أنا لا أتحدث فقط عن دور الدولة، بل تستطيع أن تغير في محيطك الاجتماعي، تشارك، تعطي، تحب، تقبل، تساعد، كل هذا ممكن. فإذا قمت بمساعدة الناس الأخرين، سوف لن يحتاجوا إلى الغش، وبها ستعينهم على حل مشاكلهم.

.

 الاعتذار:

براف عباس

27-1-2015

 

.

عزيزتي كاثلين. (أعتذر فيما إذا كنت أتهجى اسمك بطريقة غير صحيحه)

ربما تعلمين أنني طالبة مساعدة لمدام(سينغ).

.

 كنت أطلع على سجل الطلاب فجلبت علاماتكِ انتباهي، دققت فيهم، كانت حصيلتك 45 درجة في النتيجة النهائية، وأتذكر كان لي حديث معك، حول الذكاء، وكيف أنني كنت مقتنعة بأنك ذكية، وكنت تخالفيني الرأي، وذكرتي بأنك ترسبين في معظم المواد، وأنك فاشلة، وكنا حينها في درس الرياضيات.

.

.

.

  أنني عادة، عندما أساعد المدرسة لا أعير الانتباه إلى الأسماء على أوراق الامتحانات، تقديرا للثقة المعطاة لي من قبلها، عرفت ورقتك راساً، ولم تكن مفاجأة، فخطك المميز الجميل جداً شد انتباهي لمعرفة نتيجتك، وبما أنك كنت قد حصلت على درجة ضعيفة، تعجبت، وتأسفت كيف ستكون وقع النتيجة الفاشلة هذه على الطالبة المسكينة، أخذتني الشفقة عليك، ولم أعيد التفكير ثانية في قراري. صممت على تغيير سوية علاماتك، على الأقل إلى درجة النجاح، بتصحيح الأجوبة لا العلامات، ولم يكن بتفكيري أخبارك بها، لو لم تقبض علي أثناء الغش. لا أعلم فيما إذا كنتِ مندهشة من تصرفي هذا أم لا؟  مع ذلك فإنني أقدم لكِ اعتذاري، وأمل ألا تتعرضين إلى أية ملامة أو توبيخ نتيجة خطأي هذا.

.

  أعرف نحن لسنا أصدقاء، وأتحمل كل النتائج، كما ولا أظن بأننا قريبين عن بعض، ولم يكن من واجبي مساعدتك، ولم يكن من العدل تبيانك هكذا أمام المعلمة والطلاب، ومن واجبكِ أنتِ أن تطوري ذاتكِ وتتعلمي من أخطائكِ، ولم أعطكِ هذه الفرصة الذاتية بغشي.

أوعدك، بأنني سوف لن أتدخل وأحشر ذاتي مستقبلا في أمور غير مسموحة. آسف جداً على تكتيك غشي الفاشل (نصف المطبوخ) هذا، متمنية أن يكون منك العفو. وأتمنى أن تسنح لي مدام(سنغ) فرصة آخر، وتعيد ثقتها بي ثانية، وأنا أتحمل كل نتائج أخطائي.

 سوف أتجاهل كل ما لا علاقة لي به، وسأكون من الأن فصاعدا أقل كرما في هذا المجال. إذا لم تكن هذه العقوبة كافية، أتمنى لو تحدث بشكل شخصي.

.

الغش، خطأ، وإذا وددت أن أساعدك مستقبلا، فهناك طرق أخرى عديدة، وسوف أفكر مليا قبل أن أقدم على مثلها.

مرة أخرى، أنا أسفه جداً على ما فعلت، وأتمنى أن تغفري لي.

ملاحظة: أتمنى أن تعملين أفضل في صفوفكِ، وأن احتجتِ إلى أية مساعدة، فلا تحرجي بأن تسأليني، ستجديني ملبية حتماً.

 .

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

[email protected]

نشرت في جريدة بينوسا نو العدد(33) الناطقة باسم رابطة الكتاب والصحفيين الكرد في سوريا



شاركنا الخبر
أخبار ذات صله

التعليقات مغلقة.
فيسبوك
إحصائيات المدونة
  • 932٬663 الزوار
%d مدونون معجبون بهذه: