محرك البحث
سورية المفيدة و سوريا غير المفيدة !
احداث بعيون الكتاب 23 سبتمبر 2016 0

إذا صحت تسريبات الاتفاق الروسي- الأمريكي بخصوص الملف السوري ,فإن السعودية وقطر خارج اللعبة ,و الأسد رئيساً فعلياً لسوريا (المفيدة) و شكلياً لسوريا (غير المفيدة) إلى أجل غير مسمى, وإيران ستحافظ على عقودها المبرمة مع النظام, و على مصالحها في سوريا (المفيدة )إيرانياً ! و التي هي – بحسب محللين- منطقة الساحل السوري و دمشق العاصمة مروراً بحمص ,لتأمين تواصلٍ ما بين الجيوب الشيعية ,و عمقٍ عسكري لحزب الله اللبناني الذي برأته الاتفاقية سلفاً رغم جرائم ميليشياته و تورطهم في سفك الدم السوري, كما سيضمن الاتفاق موطئ قدم لإيران على البحر المتوسط بين إسرائيل و تركيا خصميها المفترضين! .

.
روسيا ستضمن بدورها بقاء قواعدها في طرطوس و حميميم كمنفذ استراتيجي لها على البحر المتوسط ,و ستتولى مهمة حماية العلويين من حراب الإرهاب (السني) المتعاظم في المحيط الجغرافي, انطلاقاً من قواعدها تلك التي ستتولى إيران تغطية نفقاتها بتخصيص وزارة الدفاع الروسية أسهماً ثابتة من واردات أنبوب غازها الذي سينضم عبر بحر قزوين إلى خط “السيل الجنوبي” الروسية التي تزود أوربا بالغاز عبر تركيا بعد تجميد مساهمتها في مشروع خط “نبوكو” إذعاناً للشرط الروسي .

.
تركيا كلاعب اقليمي ستضمن لنفسها -بحسب التسريبات-مساحة ليست صغيرة ضمن الخارطة السورية, قد توسعها في غفلة الانتخابات الأمريكية, و تدفع إليها مقار المعارضة السورية و أمراء الحرب و مرتزقة عرب و سوريين و من جمهوريات آسيا الوسطى, فتحول هذه البقعة من الجغرافية السورية إلى منطلق لأطماع تركية أكثر قرباً من (ولاية حلب)…! و مخفراً لمحاربة الكرد في أي مشروع قومي أو أي حضور لافت لهم على حدودها الجنوبية خشية التأثير على أقرانهم في الجانب التركي, و ربما تفكر تركيا أبعد من ذلك وتخطط لضم هذه المنطقة الممتدة من جرابلس إلى أعزاز إلى أراضيها في مراحل قادمة حتى و إن كان ذلك من خلال استفتاء (مضمون النتائج!) يُجرى بهذا الشأن كما جرى في لواء إسكندرون منتصف القرن الماضي .

.
إسرائيل من جهتها ستشعر بارتياح نسبي بعد موجة الكره و العداء التي أثارها العروبيون مؤخراً بالتناغم مع الإسلام السياسي و الجهادي ضد الكرد بوصفهم مارقين و متطفلين و أعداء العروبة و الإسلام ,بعد أن كان هذا العداء موجهاً نحو إسرائيل وحدها خلال العقود الماضية ,كما ستنعم الدولة العبرية لعقود قادمة بحالة لا حرب مع جوارها العربي المفكك و المنهمك بنزاعات و حروب داخلية خلفتها أحداث ( ربيع المنطقة) .

.
أما أمريكا والغرب فقد حققتا نوعاً من (التوازن الكارثي) من خلال الأحداث الدامية في المنطقة و سوريا ضمناً, للحد من التضخم السكاني في الشرق الأوسط, و مخاطر الزحف المفترض نحو أوربا ,كما ضمنتا مرحلة زمنية أخرى تستدعي تواجدها العسكري و شركاتها التجارية في المنطقة كجهات دولية عظمى ضابطة و ضامنة لتحقيق نوع من التوازن بين القوى المنبثقة عن الصراعات , و المتشكلة وفق خارطة نفوذ جديدة, و كقوة دولية فوق محلية لضبط العصبيات الدينية و الطائفية و الإثنية و توفير مستلزمات الحرب على الإرهاب الذي تحول بحد ذاته إلى آفة خطيرة تهدد تركيبة المنطقة و تنوعها الثقافي و العرقي .

.
و عن لوحة الداخل السوري فتسريبات الاتفاق الروسي- الأمريكي ترسم إطارها العام في دولة لا مركزية و بعض خطوط مناطق النفوذ فيها بقلم الرصاص تاركة – على ما يبدو – أمر التفاصيل و شكل إدارة هذه المناطق و تسمياتها لمهارات وإرادات اللاعبين المحليين بمثابة هامش للمناورات و التطورات غير المحسوبة .

.
مناطق سوريا (المفيدة إيرانياً) ستشمل – بحسب التسريبات- العاصمة دمشق برمزيتها و ثقلها السكاني و تنوعها الديني و الطائفي و الإثني إضافة إلى مناطق العلويين و الدروز و الإسماعيليون … و ستقضم – على ما يبدو – بعض القرى و البلدات السنية كضرورة جغرافية , و منطقة شرقي الفرات ستمتد من كوباني حتى ديريك و ستضم قسماً كبيراً من الكرد السوريين إضافة إلى السريان و الكلدوآشور و الشيشان و بعض العشائر العربية كضرورة جغرافية أيضاً , هذه المنطقة هي الأخرى ( مفيدة ) و لكن لتركيا هذه المرة وستتولى هي هندستها .. باستمرار بناء الجدار العازل على طول حدودها مع هذه المنطقة و مد الأسلاك و ربما زراعة الألغام كما فعلت في خمسينيات القرن الماضي في محاولة عزل أبناء المنطقة كلياً عن أقرانهم في الجانب الآخر من الحدود , و ستستخدم تواجدها العسكري في (جرابلس) و نفوذها المرشح للتمدد حتى مشارف حلب, في مساعي تشكيل رقعة فاصلة بين مناطق شرقي الفرات و منطقة كرداغ ( عفرين) ,و نفوذها لدى العشائر و الكتائب و التنظيمات المسلحة السنية في جنوب المنطقة المذكورة, ستحاول أن تسخرها في محاصرة هذا الإقليم لإجباره على التعامل مع العالم في علاقاته و تجارته فقط عبر بوابته الشرقية التي يتحكم بها الحزب الديمقراطي الكردستاني – عراق في مسعى إقليمي واضح لتقليم أظافر منظومة العمال الكردستاني كقوة ناشئة وفق إيديولوجيا غير دينية و بالتالي غير محبذة لدى أصحاب النفوذ الإقليميين و زيادة رصيد المنافس اللدود و المتمثل بمنظومة الديمقراطي الكردستاني كقوة تقليدية لا تخرج عن الثقافة السائدة , قد يكون هذا بالضبط ما قصده رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني في تصريحه المرتبك من أنقرة أثناء زيارته الأخيرة بعبارة “هناك تغيرات قادمة…” أما منطقة جبل الكرد عفرين فتجري محاولات فصلها عن شقيقاتها في الشرق – بحسب تصريحات مسؤولين روس لتُترك تحت سلطة TEV-DEM بعد محاصرتها بالحدود والنفوذ التركيين من جميع الجهات و لا سيما بعد تحويل جوارها الجنوبي (ريف إدلب) إلى منفى إجباري للمقاتلين الخارجين من حمص و داريا و المعضّمية بموجب اتفاقيات محلية مبرمة مع النظام لا يُستبعد أن يُلحِقها الأخير بإجراءات طائفية أخرى بغية إحداث تغيير ديمغرافي في هذه المناطق كإلغاء قيود هؤلاء المقاتلين و سجلات نفوسهم و استبدالها بقيود جديدة ليتحول المبعدون إلى لاجئين في ريف إدلب إضافة إلى كتائب جهادية متمركزة في المنطقة تضم مرتزقة من شتى بقاع العالم . هذا الخليط المخيف في هذه البؤرة الموبوءة هم من سيشكلون تخوم كرداغ الجنوبية و سيكونون جيراناً جُدد لأبنائها في محاولة تركية حثيثة لكسر شوكتهم بعد فصلهم عن إخوتهم في الشرق و محاولات التحكم حتى بالطرق التي تربطهم مع حلب و العمق السوري , و هنا تبرز أهمية بلدتي نبل و الزهراء الشيعيتين على الخارطة كعقدة تربط منطقة عفرين بحلب خارج الرغبة التركية ( كما هو الحال الآن منذ وصول الجيش إليها ) . المناورات العدائية هذه بحق الكرد ترمي إلى محاصرة نفوذ ال YPG و استنزاف قوتها مع الزمن تحضيراً لمرحلة ربما قادمة! .

.
أما سوريا (غير المفيدة) فستضم ما تبقى من المدن و المناطق الداخلية وهي بغالبيتها الساحقة من العرب السنة تحولوا بفعل ثقافة العشيرة و الدعوات القومية و الذاكرة الدينية إلى حاضنة للتنظيمات الإرهابية و الكتائب الجهادية التي قد تختلف في الفتوى و الولاء و البيعة لكنها تشترك في اعتماد العنف و الاحتراب مبرراً لوجودها و وسيلة وحيدة لاستمراريتها منطلقةً من هذه المناطق الممتدة بين إدلب غرباً إلى الرقة و الموصل شرقاً مروراً بحلب و التي من المرجح أن تشهد مزيداً من العنف و الصراعات على مدى سنواتٍ قادمة.
سواء صحت التسريبات أم لا , و سواءً كان هناك اتفاق جاهز سيعلن لاحقاً عن بنوده المحجوبة أم لا , ففي النهاية لا بد من اتفاق ولا أعتقد أن طريقة تفكير و تناول القوى العظمى و الدول الإقليمية للملف السوري ستختلف كثيراً , لكن في كل الاتفاقيات و التفاهمات يبقى ثمة هامش ما للّاعب المحلي لا يمكن تجاهله و لا يجب تفويت الفرصة دون استثماره . في الحالة السورية و الكردية السورية ضمناً لا بد أن نعوّل على هذا الهامش و لا بد أن نسعى إلى تشكيل اللاعب أو الفريق المحلي الكفء لأداء دوره المفترض , الإرادة السياسية و القوة العسكرية هما ركنان أساسيان للأداء المثالي , فإذا اعترفنا – على الصعيد الكردي السوري – بوحدات حماية الشعب و المرأة كقوة عسكرية وحيدة تدافع عن الخصوصية الكردية بمثابة الركن الأول, لا بد أن نسعى بكل طاقة ممكنة إلى توفير الركن الثاني من خلال توحيد الصف و الخطاب الكرديين , لتشكيل جبهة سياسية كردية واحدة ترعى و تكمل القوة العسكرية في أداء الدور المطلوب ضمن الهامش المتاح في هذه المرحلة التاريخية المصيرية.

.
المهندس : صلاح علمداري .



شاركنا الخبر
أخبار ذات صله

التعليقات مغلقة.
فيسبوك
%d مدونون معجبون بهذه: