محرك البحث
ليلة الإنقلاب السياسي
احداث بعيون الكتاب 19 يوليو 2016 0

عاشت تركيا ليلة مرعبة في الخامس عشر من تموز .بدأت حوالي الساعة العاشرة مساء” باصوات انفجارات في انقرة ،سرعان ما اكد رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم ،ان الوضع تحت السيطرة . و لكن توالت الاحداث ،و بدا الاعلام التركي و العالمي يتحدث عن محاولة انقلاب عسكرية يقودها ضباط و جنرالات ،و بدأ و كإن الانقلابين سيطروا على معظم المراكز الحيوية التابعة لجيش و الحكومة ،بما فيها رئاسة الأركان العامة للجيش التركي ،و اعتقلوا رئيس الاركان ،و نشروا الدبابات و الجنود في الشوارع و حول المراكز ،و من ثم صدر البيان و عبر التلفزيون الرسمي لدولة باسم الجيش يعلن فيه توليه الحكم في البلاد ، و فرض حالة الطوارىء و الاحكام العرفية و وقف العمل بالدستور في عموم البلاد ،و تسليم السلطة الى ما سموه بمجلس السلم او الصلح .

.

و اصبح الاعلام يتحدث عن مصير رئيس الدولة رجب طيب أردوغان ، بين مشكك عن تواجده في مكان أمن او معتقل لدى الجيش او خرج من البلد لطلب اللجوء من دولة ما . خلق الاعلام التركي حالة من شبه اليقين ان الانقلاب العسكري نجح ، و أصبح الجيش مسيطرا على البلاد . و لكن سرعان ما ظهر أردوغان و عبر أحدى شبكات التواصل الاجتماعي و من خلال هاتف محمول ليتصل بإحدى القنوات التركية ليدعوا الناس لرفض الانقلاب .و بعده ظهر و بنفس الطريقة عبد الله غول الرئيس التركي السابق يدعو الناس لرفض الانقلاب .و لكن طريقة ظهورهم بالاعلام و عبر شبكات التواصل أزداد الشكوك لدى الاعلام و الراي العام ان الامور تتجه نحو الأسوء و ان الانقلابيين نجحوا في السيطرة على كافة مرافق الدولة بما فيها الاعلام .و تيقن اغلب المحلليين بما فيهم المقربيين من حزب العدالة و التنمية الحاكم ان الانقلاب العسكري أصبح واقع ،و فقدت الحكومة السيطرة على البلاد .

.
و لكن الاحداث اخذت منحا اخر بعد ساعات منتصف الليل ، إذ خرج أردوغان الى الاعلام و في مطار أتاتورك بمدينة إسطنبول ليدعوا أنصاره و الناس لرفض الانقلاب ،و يهدد الانقلابيين بمحاسبة شديدة ، و بدات الاشتباكات حسب ما كان يذكره الاعلام بين انصار أردوغان و مؤيدي الانقلاب و انباء عن القتلى و المصابين . و توالت الانباء سريعة عن سيطرة انصار الحكومة على معظم المرافق و المراكز العسكرية المهمة ، و قيامهم بحملات اعتقالات طالت مختلف الرتب العسكرية . و تغيرت الصورة و المشهد و لعب الاعلام دورا في اظهار اردوغان كبطل قومي يدعو الناس لتظاهر و رفض الانقلاب ،و الناس تلبي دعوته و تخرج لشوارع لتصد بصدورها العارية دبابات الانقلابيين .

.
باختصار و بعد خمسة ساعات فقط من بداية الاحداث ،اعلن أردوغان و انصاره سيطرتهم الشبه الكاملة على كافة المرافق بالدولة و اعتقال الالاف من المشاركين في عملية الانقلاب الفاشلة .

.
و لكن الشكوك زاددت عند الكثير من القوى و المحلليين و المراقبين للوضع التركي حول جدية الانقلاب .
المتفق عليه ان معظم الشعوب تركيا و كذلك القوى السياسية الاساسية رفضت الانقلاب العسكري ، ليس حبا في حكومة العدالة و التنمية و ليس حبا في شخصية أردوغان ،بل تمسكا بالقيم الديمقراطية المدنية ، و التي كانت حكومة العدالة و التنمية تسيء لهذه القيم و تحاول بشتى الوسائل فرض دكتاتورية على البلاد ، و لكن الناس و من خلال تجاربهم مع الانقلابات العسكرية المتكررة في تاريخ الجمهورية التركية ،يدركون ان النضال السياسي من اجل التغير افضل في وجود حكومة مدنية ،و لذلك رفض الشعوب في تركيا الانقلاب العسكري .

.
و لكن هذا الانقلاب العسكري سيظل محل شكوك . و قد لمح فتح الله كولن المتهم الاساسي من قبل أردوغان و حكومة العدالة و التنمية بإنه وراء الانقلاب ،إلى هذه الشكوك ،و قالها علانية :” قد يكون عملية الانقلاب مفبركة ” . وسوء كان كولن هو العقل المدبر للانقلاب او لم يكن، فإن أردوغان استغل الفرصة و اتهمه في اللحظات الاولى بإنه وراء الانقلاب فهو معارض لدود لأردوغان و يشكل خطرا حقيقيا قادرا على تغير موازين القوى في تركيا لما يملك من نفوذ و مؤيدين في تركيا .

.
و مما يزيد من هذه الشكوك هو عمليات الاعتقال التي طالت الالاف من الضباط و القضاة و المدعي العام ،رغم ان اردوغان قال في بداية احداث الانقلاب ان عدد قليل من الضباط قاموا بعملية الانقلاب ،و اكد كلامه رئيس وزرائه بن علي يلدرم . إذا لماذا هذا الكم الهائل من الاعتقالات و التي تجاوزت في أقل من 24 ساعة الى اكثر من 6 ألاف من الرتب و المسؤوليين في الجيش و الدولة حسب إدعاءات المسؤولين ،و التي قد تكون أكثر من هذا العدد ؟ هل كان الانقلاب حجة لأردوغان لتخلص من كافة خصومه في المؤسسة العسكرية ؟ ام ان أردوغان خطط و شجع بطريقة ما قلة من الضباط للقيام بما يمكن تسميته بالانقلاب ، و من ثم القضاء عليهم و التخلص من كافة خصومه بهذه الطريقة ، و اظهار نفسه كبطل قومي و منقذ
للجمهوريةوالديمقراطية ،و بالتالي فرض نظام رئاسي على البلاد و التي كانت الشغل الشاغل لأردوغان منذ تسلمه رئاسة الجمهورية ؟ حياة أردوغان مليئة بما يمكن تسميته بالانقلابات .فهو انقلب على حزب السعادة ليؤسس العدالة و التنمية. و حاول القضاء على نفوذ العديد من المقربين منه كنجم الدين أربكان و فتح الله كولن و عبد الله كول و كان اخر الانقلابات له هو رفضه و انقلابه على نتائج انتخابات 7 حزيران 2015 حينما تراجع حزبه في الانتخابات .ليكمل بعده سلسلة انقلاباته على عملية السلام مع الكورد ،و من ثم طرد زميله المقرب منه داود اوغلو من رئاسة الوزراء بطريقة مهينة .و أردوغان معروف بألاعيبه من اجل تحقيق غايته السياسية ،فقبل تفجيرات التي طالت مطار اتاتورك خلال هذا العام كتب احد المدونين المعروفين في تركيا و في تغريدة له قبل التفجير ب4 ساعات فقط :” قريبا ستحدث تفجيرات في تركيا لدعم عملية تطبيع العلاقات مع اسرائيل و روسيا “.

.
من المفروض و في اي انقلاب عسكري هو القبض على رئيس الجمهورية و اعضاء الحكومة و رؤوساء الاحزاب السياسية . و لكن في انقلاب العسكري التركي الاخير ما حصل هو العكس ، فقد بدا الاعتقالات بالمؤسسة العسكرية ،و ترك السياسيين و لم يعتقل منهم احد ، و هذا ايضا يزيد الشكوك ، و يجعل من وصف الانقلاب بالفبركة منطقيا اكثر .
أيضا تم الوصف و من خلال الاعلام و كإن الشعب
هو من افشل الانقلاب . و لكن الواقع هو و من خلال الاعلام نفسه جرت اشتباكات بين القوات المتمردة و الموالية للحكومة قبل نزول اي انسان للشارع .و الاخبار كانت تتوالى عن سيطرة المواليين على اهم المراكز و المرافق قبل نزول اي انسان الى الشارع .اي تم السيطرة على الوضع و بدات الحشود بعد ذلك في الشوارع .و من الغريب ان الانقلابيين او المتهمين بدعم الانقلاب لم يطلقوا النار على احد و سلم انفسهم لناس ليتعرضوا بعدها الى التعذيب و الذبح و القتل بطرق بشعة يذكرنا بما يفعله تنظيم داعش بضحاياه . كيف سيطر الانقلابيين على الحكم ؟و كيف تلاشت هذه السيطرة بهذه السرعة ؟الجواب لدى اردوغان قبل ان يكون لدى اي انسان اخر . و من الامور الغريبة ايضا اعتقال 5 مرافقين عسكريين لأردوغان بحجة علاقتهم بالانقلاب و الدليل الذي أسرده الاعلام التركي هو ان هؤلاء المرافقين لم يكونوا متواجدين مع اردوغان في ليلة الانقلاب و لكنهم اتصلوا مع طائرة أردوغان 15 مرة لسؤال عن اوضاع الرئيس ، و كإنهم ليسوا بمرافقين و لا يحق لهم السؤال عن صحة أردوغان .!

.
مهما يكن فان اردوغان جعل من الانقلاب حجة لتثبيت حكمه و سلطته اكثر و إزاحة كل من هو معارض لسياساته في المؤسسة العسكرية و الهيئات القضائية بعد نظف مؤسسات و الهيئات السياسية لدولة سابقا من كافة خصومه و معارضه ، و لكن حملة الاعتقالات و التصفيات في المؤسسة العسكرية و القضائية ستكون نتائجها كارثية على المجتمع التركي مستقبلا . و هي ستحدث شرخ قوي في بنية الدولة ككل .و قد نشهد تمردات اخرى و بطرق مختلفة لتعبير عن رفض ممارسات العدالة و التنمية . قيل الكثير عن هذا الانقلاب العسكري الفاشل و لكن ما يزال اوراقها السرية غير مكشوفة و قد تحتاج الى سنوات لكي تظهر الحقائق . أو قد تظل سرية لعشرات السنيين كالانقلابات التركية السابقة و الجرائم التي ارتكبت باسم الفاعل المجهول ، و دعم الجماعات المتطرفة ، و الاغتيالات السياسية ،و المجموعات التي شكلتها الدولة التركية كمجموعات كونتر كريللا و الجيتم و حزب الله ، و الابادات و المجازر التي ارتكبت بحق الكورد في تاريخ الجمهورية .
.
نورالدين عمر



شاركنا الخبر
أخبار ذات صله

التعليقات مغلقة.
فيسبوك
إحصائيات المدونة
  • 969٬467 الزوار
%d مدونون معجبون بهذه: