محرك البحث
ما بعد أفغانستان بين الفوضى الخلاقة ورفض الشريعة
آراء وقضايا 22 أغسطس 2021 0

كوردستريت || آراء وقضايا 

سمير عادل

ليس هناك أية مقارنة بين هزيمة الولايات المتحدة الامريكية في فيتنام وبين الانسحاب الامريكي منافغانستان. ففي الاولى، كانت تعيد الآلاف من الجنود الامريكان بتوابيت الى بيوتهم ليصل إلى ٥٧ ألفجندي واحتجاجات عارمة في عموم الولايات وانقسام حاد داخل الطبقة الحاكمة في واشنطن حول جدوىالاحتلال، بينما في الثاني هو جزء من استراتيجية امريكية انسجم عليها الحزب الجمهوري قبلالديمقراطي وعملت على خلط الاوراق على الحلفاء والاعداء.

ما وراء تسويق مقولة (الفشل الامريكي في افغانستان):

واختيار عنوان عريض وهو الانسحاب الامريكي من افغانستان  هو “فشل السياسة الأمريكية ” ودقالطبول والعزف على وتره، والمقارنة بينه وبين فشله في فيتنام، هو جزء من صب الماء في طاحونة التيار الذييُعرف بهويته (الأنتي امريكا) أو (أنتي الإمبريالية) اي التيار المعادي لأمريكا والامبريالية. ويحاول هذاالتيار تصوير ما حدث في أفغانستان على أنه هزيمة امريكا،  من اجل تقوية الروح المعنوية لذلك التيارواعادة إنتاج هويته وتغليف كل قمعه واستبداده للحرية والمساواة وإفقار المجتمع بتلك الهوية الزائفة سواءكأنظمة سياسية حاكمة، او كتيارات معارضة لحرف الانظار وطمس ماهية المحتوى الطبقي لهذا التيارالذي ليس له أية صلة بتحرر الإنسان  وانهاء كل اشكال الظلم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بحقه،و ايجاد تبريرات باستمرار تلك الانظمة القومية بسياستها المجرمة تجاه العمال والمحرومين في مجتمعاتهامثل النظام السوري والجمهورية الاسلامية في ايران  وحزب الله، وميليشيات تحالف فتح التي تبنت الهويةنفسها في الوقت الضائع .  وليس هذا فحسب بل الادهى من كل ذلك اختزال كل ماساة الغالبية العظمىمن الشعب الأفغاني من فقر وبطالة وانحطاط اجتماعي واقتصادي بأنها تحررت من الاحتلال الامريكي،وكأن الشعب الأفغاني كان قبل الاحتلال وتحت سلطة طالبان، ينعم بالحرية والرفاه.  وهذا التصويرالمخادع يعزز ايضا من النظرية التي لا تقل زيفا عن الاولى  بأن الولايات المتحدة الامريكية ذهبتلأفغانستان كي تنجح في تحرير البشر من سيطرة الجماعات الاسلامية الارهابية وبناء مجتمع حر وآمنالا أنها فشلت هناك،  بينما المعطيات الواقعية تبين على نشر كم من الأوهام عن فحوى السياسة الامريكيةالتي تتحرك تحت عنوان حقوق الإنسان ونشر الديمقراطية في حين تخفي في طياتها دائما وابدا ترسيخالفساد والرجعية وتأهيل حثالات اجتماعية الى الدفة السياسية في السلطة. وفي الوجهين لتلك النظريةتكون النتيجة اخفاء ماهية السياسة الامريكية واستراتيجيتها التي لم تكن أكثر من مساعي لفرضهيمنتها الاقتصادية والسياسية على العالم. ولم تطأ قدم الولايات المتحدة الامريكية اي مكان في العالموالا حولته الى خراب ودمار، ولم تقوي وجودها غير العصابات والجماعات الارهابية والفاسدة سواءً أكانتموالية لها او معارضة لوجودها. ولم تغادر أي بلد سواءً كهزيمة عسكرية مثلما حدث في شبه الجزيرةالكورية عام ١٩٥٥ وفيتنام عام ١٩٧٥ او من تلقاء نفسها مثل العراق وافغانستان اليوم الا وخلفت ورائهاانظمة وجماعات استبدادية ورجعية حتى النخاع.

لقد افشى بايدن بالسر، في كلمته قبل يومين بأن جيوشها لم تذهب الى افغانستان من اجل بناء (دولة). وتعبر هذه الجملة عن مصداقية السياسة الأمريكية ولأول مرة ودون اية رتوش. وهذا يعني ان امريكا لمتهزم في افغانستان ، بل الذي هُزم هم جماهير افغانستان، ولعب الاحتلال الامريكي دورا كبيرا في الحاقتلك الهزيمة المرة. فالاحتلال الامريكي في افغانستان لم يبنِ المصانع ولا المعامل، بل أنفقت امريكا أكثرمن ٦٠٪ من المبلغ الإجمالي الذي يقدر ٢,٢٦ تريليون دولار على المؤسسة العسكرية ونفقاتها بشقيهاالأمريكي والافغاني ومشاريع لا تقدم ولا تأخر  على تغيير البنية الاجتماعية والبنية الاقتصادية التيتؤسس لحكم على الاقل يشبه الحكومات في افضل احوالها بعض البلدان الطبيعية في اسيا او افريقيا اوامريكا الجنوبية، وحتى اسم أفغانستان  في الأمم المتحدة  ما زال يحمل الراية الاسلامية وهو(الجمهورية الاسلامية الافغانية). ما فعلتها امريكا فقط قامت بمنح الرشاوى لرؤساء العشائر والقبائللشراء الولاءات وبناء عدد من المستشفيات والمدارس،  وتأهيل عدد من النساء لمناصب وزارية للتسويقالاعلامي من اجل ترسيخ نشر الوهم حول دفاعها عن حقوق الانسان،  بينما ظل وضع المرأة الافغانية علىصعيد فرص العمل والحقوق في القوانين لا تتجاوز النسخة المعدلة للشريعة الاسلامية  وهي الاقل حتىمن نساء ترضخ لحكم رجعي وتعسفي مثل الجمهورية الاسلامية في ايران. وهذا ما حدث في المشهدالعراقي ايضا بعد غزوه واحتلاله لتكملة مسيرة البعث والحملة الايمانية لصدام عام ١٩٩٦ وسياسةالحصار الاقتصادي الوحشي على جماهير العراق. الا ان الفارق الوحيد في المشهد العراقي هو ان هناكتيار اجتماعي عريض متمدن وحضاري وتحرري يضرب جذوره في عمق المجتمع العراقي، وهو الذي قاوموما زال يقاوم الطبقة السياسية الفاسدة والمجرمة التي نصبتها حراب المارينز الامريكي في العراق، بعدمتحويل مدن العراق الى قندهار الأفغانية. 

الحيلولة دون  خلق وكر للإرهاب  والصراع الجيوسياسي:

رسائل التهنئة التي بُعثت الى طالبان، اكدت على ما قلناه منذ اليوم الثاني لإهداء القوات الامريكيةالعاصمة كابول لحركة طالبان، بأنه اي الاهداء الامريكي سيصب الدماء في عروق الجماعات الإسلاميةوالمشروع الإسلامي ويتنفسون الصعداء، ويشحن وقاحتهم في معاداتهم من جديد للماهية الانسانيةونشر كلما هو غير انساني من افكار وفتاوى وتنظيم المجازر بحق الانسانية. والحق يقال ان الانسحابالامريكي من افغانستان وضع الأقطاب الرأسمالية العالمية الكبرى مثل روسيا والصين والاتحادالأوروبي  في ورطة كبيرة. وفي خضم هذا الصخب والفوضى، تحاول هذه الاقطاب من رفع استعداداتهاالامنية والسياسية، وتخوض ايضا في نفس الوقت سباقا جيوسياسيا في أفغانستان للاستعداد لأيةضربة استباقية بالحيلولة دون تحويلها الى سورية اخرى تهدد حدودها. 

وليست التصريحات الاخيرة لممثل السياسة الخارجية للاتحاد الاوروبي بوريل بالأمس بإطلاق تحذيرللاتحاد الأوروبي من خطورة ان تحل روسيا والصين ملء الفراغ بعد الانسحاب الامريكي، الا تحذيراتفارغة على الصعيد الواقعي والعملي. انها محاولة في ترميم معنويات دول الاتحاد الأوروبي بعد اللهاثوراء الاستراتيجية الامريكية بدل من سن استراتيجية خاصة بها تعمل على تحقيق مصالحها. صحيح أنأوروبا تبحث عن موارد طبيعية للنهوض بالصناعة الخضراء اي الصناعة التي لا تؤثر على البيئة، وانأفغانستان هي الأغنى بتلك الموارد مثل احتوائها على أكثر من ١٠٠٠ مليار دولار من معدن الليثيوم، إلا أنهدون استقرار امني وسياسي، فلا مكان للاستثمار والاستخراج، وحتى طريق الحرير الصيني مشروع (الحزام والطريق) هو الاخر مهدد بالعبور من افغانستان. فإذا كانت القضية الاستراتيجية بالنسبةلروسيا والصين هي إنهما تخشيان من تحول افغانستان الى وكر جديد للتصدير الإرهاب وتقوية الحركاتالانشقاقية في بلدانها وستلسعهما نيران الفراغ الأمني في أفغانستان بسبب حدودهما وقربهما، فإنأوروبا ستتذوق مرة أخرى ما حصل في عام ٢٠١٥ من تدفق اللاجئين إليها عبر طريق ايران ثم تركيابشكل مباشر أو غير مباشر، حيث تقدر المؤسسات الدولية بأن عدد اللاجئين الأفغان سيصل بين ٣-٥ملايين شخص ناهيك عن تصدير الارهاب الاسلامي لها كما كان في عصر بزوغ شمس دولة الخلافةالإسلامية المعروفة باسم داعش.  وهذا ما تدفع  روسيا والصين بالسباق مع الزمن لملئ الفراغ الامنيوالسياسي في افغانستان، والعمل على افشال المشروع الامريكي او الاستراتيجية الامريكية في خلقبؤرة جديدة من التوترات وتصدير الارهاب، وهو تحويل أفغانستان  الى ملاذ ومنبع لكل العصاباتوالجماعات الاسلامية الارهابية المدعومة امريكيا وأوروبا وتركيا. وعلينا التذكر دائما كيف كان أمثال جونماكين الجمهوري والمرشح الخاسر أمام أوباما للانتخابات الرئاسية ورئيس لجنة القوات المسلحة فيالكونغرس الامريكي، وقد رحل عن الحياة قبل ثلاث سنوات، نقول كان يجتمع مع قادة الإرهاب امثال ابوبكر البغدادي وعصابته عام ٢٠١٢-٢٠١٣ بعد ما سمي بالربيع العربي على الأراضي السورية، وقدمتكل أشكال الدعم لتلك الجماعات التي تحولت بعد سنتين الى غول وحشي اسمه داعش. نفس السيناريويعد له في افغانستان سواء بشكل مخطط او عبر سياسة كوندليزا رايس مستشارة الامن القومي في إدارةاوباما، الشهيرة (الفوضى الخلاقة).

مشهدان للإعلام العالمي وقناة (الجزيرة) ومشهد لرفض الامارة الإسلامية:

المشهد المثير في افغانستان، وهو ما لا تريد أن تشاهدها جماعات الإسلام السياسي في العالم التيبعثت برسائل تهنئة الى طالبان من كل حدب وصوب، هو الهروب الجماعي للملايين من الأفغان. هذا ناهيكعن الاحتجاجات الجماهيرية يوم الاستقلال من الاستعمار البريطاني برفع الراية الوطنية الافغانية كتعبيرعن رفض راية طالبان الاسلامية. هذان المشهدان يعبران  عن حقيقة واحدة هو رفض جماهير افغانستانللشريعة الاسلامية و إمارة طالبان الاسلامية وحكم سيف الله على رقاب الجماهير الذي تحملها جماعةطالبان. وليس هذا فحسب بل ان الدعايات الكاذبة والمنافقة  والمغرضة لقناة (الجزيرة) الناطقة غيرالرسمية بلسان حال الاسلام السياسي السني في العالم، تحاول اعطاء صورة عبر مراسليهاومستشاريها الاعلاميين الإخوانيين، بأن الشعب الأفغاني يهرب من أفغانستان لأنه تعود على طلب اللجوءمنذ قديم الزمان، وبان الأمن استتب في ظل طالبان، ليصل بالنتيجة الى اقناع المشاهد وبالتالي التأثيرعلى الراي العام مفاده ليس هناك أي مبرر لهروب الشعب الأفغاني. الا انها اي (الجزيرة) تتناسى  حقيقة أو بديهية وهي أن الشعب الافغاني يريد الحرية ويريد ان يكون ابنائهم وبناتهم بعيدين عن حكمالشريعة والاسلام. إنه تعبير عن رفض علني للشريعة ومن حقهم العيش في ظل مجتمع وسلطة على الاقللا يخافون ان يحكم عليهم اذا ما تصرفوا على سجيتهم  اما الجلد او الرجم بالحجارة او قطع الراس كماحدث في زمن طالبان وما حدث في عصر خلافة الدولة الاسلامية في العراق وسورية. والحقيقة الاخرىالتي تحمل نفس المحتوى، فبالرغم من سياسة الاحتلال، وبالرغم من فساد زمرة اشرف عبد الغني الذيهرب ب ١٧٦ مليون دولار، وبالرغم من حجم مساحة الفقر ، إلا أن الشعب الأفغاني لم يفكر بشكل جمعيبالهروب من أفغانستان مثلما يحدث اليوم في ظل سيطرة طالبان. وهذا يبين ان بذور مقاومة مشروعالامارة الاسلامية قد بدأت، سواء بشكلها السلبي مثل الهروب الجماعي او بشكلها الايجابي مثل  الاحتجاج المشار اليه او بإعلان المقاومة الشعبية المسلحة بوجه طالبان. 

مشهد كوباني ام مشهد مطار كابول:

اي بعبارة اخرى، المشهد الإعلامي والدعائي المهول الذي اختزل كل ما آلت إليه الأهوال في افغانستانبالتدافع الجماعي والفوضى العارمة  للهروب عبر الذي حدث في مطار كابول، هو بقدر انه يبين كما يقوللنا انصار التيار المعادي للإمبريالية وامريكا، بأن أمريكا ليست محل ثقة الحلفاء وعلى المعولين علىسياستها عليها الاتعاظ منها ، بنفس القدر هو إيصال رسالة امريكية واضحة للعالم مفادها، على العالمأن يتعلم بأن لا قيمة لها دون الوجود الامريكي، وهذا ما اشار اليه بايدن بشكل غير مباشر حول عمليةالاجلاء الكبرى ، وليس لأية دولة القدرة ان تقوم بها غير الولايات المتحدة الأمريكية كما ادعى في اخر كلمةله يوم الجمعة المنصرم. اي اراد ان يقول لنا، ان عملية التوريط وعملية الانقاذ بيد السوبرمان  الأمريكي أورامبو الامريكي. ويوضح بشكل قاطع مسعى الامبريالية الامريكية بأبواقها الدعائية واعلامها المأجوربتجريد البشر من ارادتها واحباط سعيها الانساني بالتغيير او تجريده من ابداء اية مقاومة مستقلة خارجعن الفلك الأمريكي. فقد فشلت هي وتركيا وحلفائها في ترسيخ هذه الصورة في مدينة (كوباني) السوريةعندما قاوم سكانها بكل بسالة وشجاعة عصابات داعش بينما الولايات المتحدة الامريكية والاتحادالأوروبي وبريطانيا الذين يملأ زعيقهم اليوم العالم بدعوة طالبان لاحترام حقوق النساء وحقوق الانسانوالا لن تعترف بحكمها وسلطتها، وقفت متفرجة لا تحرك ساكنا الا بعد كسر شوكة داعش على صخرة ارادةالمقاتلات الجسورات من النساء قبل الرجال وارغام الوحوش على التراجع. 

فهذه الصورة، صورة، لا ارادة بالتغيير ولا ارادة المقاومة، هي ما تريد ترسيخها  في ذهن الجماهير علىمستوى العالم، وبالفعل أصابت الهدف، أكثر بما لا يقارن مع مقولة (أمريكا تتخلى عن حلفائها). فالبرجوازية ابدا وفي أي مكان في العالم لم تكن حتى مخلصة مع المبادئ التي جاءت بها مثل شعارها فيالثورة الفرنسية (حرية، اخاء، مساواة) طالما وصلت الى مرحلة تهدد مصالحها، فما بالك مع حلفائهاوعملائها. أليست مقولة، في السياسة ليس اصدقاء واعداء دائميين انما مصالح دائمة، هي برجوازيةومتجذرة في الأدب السياسي البرجوازي.

واخيرا نقول ان حركة طالبان غير شرعية، سواء اعترفت بها دول العالم او لم تعترف بها، سواء شكلتحكومة ائتلافية أو انفردت بالسلطة، وهي لا تختلف عن دولة الخلافة الاسلامية (داعش) التي تحالفالعالم ضدها، فلماذا لم تضفِ الشرعية عليها ، بينما تحاول إضفاء

 الشرعية على طالبان. 

أن مسعى القوى التحررية اليوم يجب أن يصب في دعم وتضامن جماهير أفغانستان ضد الامارةالاسلامية عبر الضغط على حكومات البلدان في العالم بعدم الاعتراف بها، ومن جهة اخرى الضغط ايضالفتح كل بلدان العالم ابوابها امام كل انسان في أفغانستان أراد أن يعيش بعيدا عن سلطة طالبان التيتنص المعاهدات الدولية بحق الاقامة وحق السكن الذي هو جزء من حقوق الإنسان.



شاركنا الخبر
أخبار ذات صله

أترك تعليق

يجب عليك الدخول لترك تعليق.

فيسبوك
إحصائيات المدونة
  • 1٬007٬779 الزوار