محرك البحث
من حول كردستان الوطن إلى حلم؟
آراء وقضايا 18 يناير 2015 0

الجزء الثالث

 

ملاحظة: هذه الحلقات بحوث فرعية للسلسة التي تصدر تحت عنوان (ماذا فعل المربع الأمني بغربي كردستان؟)

……………….

 

مرحلة ترسيخ الوعي الكردستاني

   خلقت الثورات المتأخرة، رغم فشلها العسكري، مرحلة فكرية رصينة، خدمت الكرد من حيث البعد القومي، وصدوا على خلفياتها، قدر الإمكان، انتشار مفاهيم المستعمرين المستوطنين، وفيما بعد اجتياح الفكر العروبي، في جزئيه الجنوبي والغربي، تحت خيمة الإسلام، أو ما سمي في العديد من المصادر جدلاً بالطغيان، الإسلام السياسي، أو الديني المدموج مع القومي العروبي، والتي استمدت من منطق السيد المسلم العربي والموالي، أو التابعين، فكانت لقادة الكرد المتدينين هؤلاء دور جليل في تغيير جزء من المعادلة، وتبيان الثورات على أنها  ليست فقط ثورة على الاستعمار الاستيطاني والإداري بل ثورة على المفاهيم الدارجة والمترسخة في الوعي الكردي المسلم بشكل عام، وهي تعد من أوائل مراحل التحرر الفكري من مفاهيم السيادة الدينية في المجتمع الكردي، المسيطرة منذ الاجتياحات العربية تحت اسم الفتوحات الإسلامية، ولم يتخلص منها الأيوبيين والخرساني رغم ما وصلوا إليه من سلطان وسيطرة على العالمين الإسلامي والكردستاني، في الوقت الذي حصل عليه العثمانيين والفرس عند ظهور أول قوة لهم في المنطقة، واستغلوها بحنكة ليطغوا بها على كل العالم الإسلامي، وسادوا تحت بأسماء عائلاتهم والذين كانوا رموزاً قومية قبل أن تكون إسلامية (العثمانيون والصفويون أو الفرس متأخراً).

.

    جلب هؤلاء الإسلام إلى عواصمهم، ولم يرسلوا قادتهم إلى العواصم الإسلامية الأولى، واستخلصوا هذه الخطط والتدابير التي تخدم القومية، من الطرق التي أتبعها القريشيون الذين نقلوا المراكز الإسلامية إلى حيث توجد مصالحهم الذاتية، كالخليفة الراشدي الرابع، علي بن أبي طالب، ومن بعده الأمويون والعباسيون، وهذا ما فعله العثمانيون، وملوك الفرس، وهذا ما حاول قادة الثورات الكردية من مشايخ التكيات السير عليها وتطبيقها، حتى ولو كانت في بعضها غريزية، لكنها في عمقها كانت عندهم تأويل بأنها لا تتعارض والإسلام، ومن خلالها وجدوا الدروب لإبراز الغاية القومية، كما وحافظ المشايخ كقادة للثورات الكردية على ما زرعه الأمراء الكرد سابقا من الوعي القومي الكردي، ولهم الفضل في توسيع التمييز بين ماهية القومية الكردية في ظل الاستعماري  العثماني والفارسي المغطى تحت عباءة المذاهب الإسلامية، ونشر الوعي الكردستاني، وجمعوا بين الإسلام كدين شامل يجمع الشعوب تحت خيمة الأمة الإسلامية الواحدة، والكرد حيث الخاصية الذاتية دون القوميات، مثلها مثل القوميات التي تستغل الأمة الإسلامية مطية.

.

  رغم فشل الثورات التي قادوها، تمكن قادتها من المشايخ في الحفاظ على كردستان الوطن ورسخوها بأنها غاية الثورات، وخلقوا جبهة قوية لمواجهة الاجتياح العنصري من مستعمري كردستان تحت عباءة المذاهب، أو الانتماء إلى المفهوم الديني العام بدون قومية، وكما يقال الكل مسلم لكن بقي المستبد إما عروبي أو طوراني أو فارسي، وفي الفترة الأخيرة بدأت السلطات الشمولية والحكومات العنصرية بتحريك البعض من الشريحة الثقافية من شعوبهم على نشر المفهوم الوطني، لغاية الطغي وخلق البديل عن السيطرة تحت عباءة الدين، مرافقا الحفاظ على الاستبداد القومي للأكثرية، والذي لا يختلف في كثيره عن سابقه الديني. ولم يحيد عن هذه الطريقة أحفادهم (توسيع وترسيخ مفهوم كردستان الوطن جغرافيا وديمغرافية)، من مشايخ برزان، إلى بالو، وعبيد الله النهري، إلى مشايخ طالبان، ومشايخ غرب كردستان كالحقي والخزنوي والحسيني وغيرهم.

مرحلة ضمور الغاية الكردستانية

 بعد زوال مرحلة التعتيم والتجهيل من قبل السطات المستعمرة لكردستان من جهة، وخروج الكرد من عزلتهم الذاتية، كرد فعل لسلسلة فشا الثورات، وتفاقم الظروف الاقتصادية، مع خصوصية طبوغرافية كردستان السلبية في مراحل معينة، برز مفهوم (كردستان الوطن) ثانية على الساحة، وبشموليتها التي زرعت في عصر الأمارات، والمترسخة في مرحلة الثورات، فتبناها العائلات المتنفذة، بشكل غريزي، لكن الفترة القصيرة اللاحقة لتلك المراحل لم تكن كافية لتشكيل قوة متماسكة كردستانية، أو القضاء على مخلفات العزلة الذاتية الثقافية السياسية، فضمر المفهوم والهدف مع عمليات القضاء على القيادات الكردية من العائلات، والمؤدية إلى فراغ مؤقت، حاولت بعدهم، الأحزاب السياسية المتشكلة ملؤها أثناء عمليات تفتيت المجتمع الكردي تحت مفهوم الاشتراكية والصراع الطبقي، وخاصة في منتصف القرن الماضي، فرفعت الشعارات الكردستانية، تحديدها وتحريرها وتوحيدها، لكن انجراف أغلبية الأحزاب إلى المفهوم الشيوعي أو كما طغى على الرأي العام، الاشتراكي، والذي لعبت عليها السلطات والحكومات في الدول المستعمرة، كلا بطريقتها، ووجهت الأحزاب حسب أهدافها وأجنداتها، وسخرتها كأدوات، وأجبرت معظمها على أن تتراجع عن مطلبها عند أول اصطدام مصطنع مع السلطات الشمولية، رغم أن البعض وتحت حماية سلطة مستعمرة ضد الأخرى بقيت ترفع الشعار وبقوة إلى فترة متأخرة من القرن الماضي، لكنها وتحت ظروف متنوعة، لسنا بصددها الأن، رضخت حتى ولو كان على مضض لشروط الأنظمة الشمولية ومربعاتها الأمنية، وقزمت من مطالبها في فترة قصيرة جدا، وأكتفت بالحقوق الثقافية وتدريس اللغة في المناطق الكردية، مثلها مثل الأحزاب التي سبقتها بعقود، وعتمت على كردستان الوطن، وغيبتها من الحوارات والمجالات السياسية والثقافية، إلى أن ضمرت مع الزمن، ونسي المطلب كواقع، فأصبح يعرض كمفهوم خيالي حسب مجريات الأوضاع السياسية، فتقبلها المثقف الكردي قبل السياسي الكرد كحلم، وعرض في نقاشاته اليومية السياسية والثقافية كردستان الوطن كفكرة ومطلب طوباوي، ليتفاقم كلما تباعدت الأطراف الكردستانية عن بعضها، لهجة وتقاليد وثقافة وعلاقات سياسية، ورغم أن البعض من الأحزاب  يسندون بنودهم بالحقوق الاقتصادية والسياسية، كبنود تعكس حقوق شعب ينتمي إلى وطن متكامل، لكنها في حقيقتها بنود رخوة ومطاطية لا تعكس ماهية الوطن القومي…

يتبع

 

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

[email protected]

نشرت في جريدة بينوسا نو العدد(32) الناطقة باسم رابطة الكتاب والصحفيين الكرد في سوريا.



شاركنا الخبر
أخبار ذات صله

التعليقات مغلقة.
فيسبوك
إحصائيات المدونة
  • 1٬005٬097 الزوار