محرك البحث
من سيحكم كردستان سورية ؟
ملفات ساخنة 20 سبتمبر 2013 0

مجلة الفورن بوليسي الأمريكية , السبت 31 آب 2013
ترجمة : تمر حسين ابراهيم
ظهر فراغ في السلطة في شمال شرق سورية الشهر الماضي، عندما استولى الجيش السوري الحر على مناطق من الحدود السورية التركية، لم يكن الجيش السوري الحر هو من سدَ الفراغ، و لكن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري بدلا من ذلك ، الفصيل الكردي الأكثر تسليحا في سورية. في أوائل آب، نقلت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية أن “الأحزاب السياسية الكردية والجماعات شبه العسكرية قد استولت بشكل كامل على مؤسسات الدولة السورية ” ، فقد استولوا على المباني البلدية والبنية التحتية الحيوية، يوفرون الأمن، ويسيطرون على توزيع الموارد.
بالرغم من أن احتمالات قيام دولة مستقلة في كردستان سورية لا يزال غير واضح، إلا أن الصراع على الأرجَح سينتج عنه حكم ذاتي كردي جديد. عواقبها تتجاوز الحدود السورية لأن هناك حكومات مختلفة و لدى المنظمات الغير دولية مصالح قوية و غالبا متضاربة بشأن المصير السياسي لكرد سورية و وحدة أراضي الدولة السورية.
فتركيا ،العراق و إيران خائِفون من احتمالات المزيد من الحكم الذاتي الكردي في سورية ، يعود ذلك بشكل رئيسي بسبب التوترات التي لم تحل مع مجتمعاتهم المحلية الكردية. من ناحية أخرى، فإن حكومة إقليم كردستان في شمال العراق، ودولة إسرائيل، وحزب العمال الكردستاني في تركيا يرحبون بقيام دولة كردية تتمتع بحكم شبه ذاتي في سورية.
شبح صدام
لخص محمود عثمان العضو الكردي في البرلمان العراقي بإيجاز مأزق كرد سورية خلال ثمانية عشر شهرا الماضية. ” لدى كرد سورية مشاكل خاصة بهم … هم ضد نظام الأسد. لقد كانوا لسنوات هكذا. ليس لديهم حقوق. ولكنهم ليسوا متأكدين من سيأتي لاحقا”.
كرد سورية منقسمون بشأن ” الثورة السورية”. فدعم النظام فيه مخاطرة حيث ستكون هناك مواجهة مع المتمردين الذين سينتقمون في حقبة ما بعد الأسد. و بإنضمامه إلى صفوف المعارضة المسلحة فيه مخاطرة حيث سيكون هناك قمع وحشي على يد نظام الأسد إذا احتفظ بالقوة .المصير الذي لقاه كرد العراق الذين حاربوا ضد صدام حسين خلال الحرب بين إيران والعراق ، يتذكره الجميع في تاريخ كردستان. بدلا من اختيار أحد الطرفين، فر العديد من كرد سورية إلى كردستان العراق مع نية للعودة إلى وطنهم عندما تكون الظروف أكثر أمانا.
منذ الستينات، تم تهميش كرد سورية وتعرضوا لمادة قانونية تمييزية ، جرى إحصاء عام 1962 حيث حرم بموجبه ما يقارب 120 ألف كردي سوري من جنسيتهم السورية. بعد أن أصبح حافظ الأسد رئيسا، تم جلب القبائل البدوية إلى المنطقة الكردية لإعادة توطينهم كجزء من حملة التعريب التي ترعاها الدولة. في العقد الماضي، فتحت قوات الأمن النار على متظاهرين كرد أثناء احتجاجهم على عدم المساواة بين العرب والكرد في سورية. وفقا لمنظمة العفو الدولية فقد ” استمر تعرض كرد سورية لسياسة التمييز على أساس الهوية العرقية، و هذا يشمل القيود على استخدام لغتهم وثقافتهم” وتم حرمان الآلاف من ” الحصول على حقوق إقتصادية و إجتماعية متساوية.”
بالرغم أن بشار الأسد ليس محبوبا كثيرا بين كرد سورية، فقد فشلت المعارضة في حشد دعم موحد مع الكرد. حزب الإخوان المسلمين السوري – الذي يحظى بأكثرية المقاعد داخل المجلس الوطني السوري – لا يلقى شعبية بين القوميين الكرد، الذين هم علمانيون لدرجة كبيرة. من خلال معارضة الحكم الذاتي الكردي و الأصرار على أن اسم سورية الرسمي سيظل ” الجمهورية العربية السورية” فإن القوميين العرب العلمانيين داخل المجلس الوطني السوري قد حظوا أيضا على القليل من الثقة بين الكرد.
الأهم من ذلك، هي علاقة تركيا مع المجلس الوطني السوري الذي مقره اسطنبول. ببساطة، فإن العديد من كرد سورية ينظرون الى المجلس الوطني السوري على أنه دمية بيد تركيا.
لم تبذل قوات الأسد أي جهد لاستعادة السيطرة على شمال شرق البلاد. بحسب باتريك سيل، وهو خبير بريطاني بارز في شؤون الشرق الأوسط، ثلاثة أسباب محتملة تفسر عدم تحرك النظام. أولا، كان الجيش السوري منهمكا بالقتال في دمشق وحلب، ولا يمكن السيطرة على المناطق الكردية. ثانيا، انتقاما على دعم تركيا للمعارضة المسلحة في سورية، أراد الأسد مخاصمة تركيا من خلال منح الكرد الحكم الذاتي في بلده. ثالثا، أراد الأسد أن يكسب قلوب وعقول الكرد لمنعهم من الانضمام إلى المعارضة. على الأرجح، ساهمت كل هذه العوامل في قرار الأسد لاحقا بمنح الجنسية لمئتي ألف كردي كانوا مجردين من الجنسية والسماح لحزب الإتحاد الديمقراطي بحكم كردستان سورية.
وقد اتهم البعض حزب الإتحاد الديمقراطي على أنهم تحالفوا مع نظام الأسد. على الرغم من أن حزب الإتحاد الديمقراطي يدعي معارضته لحكم الأسد، فإنه يفضل الحوار مع النظام ويدعم فكرة عدم تسليح المعارضة. عارض هذا الفصيل جميع التدخلات الأجنبية في سورية، والتقى مع دبلوماسيين روس ،ايرانيين وصينيين،حيث قدمت حكوماتها السلاح للنظام السوري طوال فترة الصراع.
الصراع من أجل كردستان سورية
تتخوف تركيا من فكرة وجود دولة كردية تتمتع بحكم شبه ذاتي في شمال سورية لسببين رئيسيين : الأول، تخشى أنقرة أن يحصل حزب العمال الكردستاني على ملاذ آمن في كردستان سورية حيث سيمكنه ذلك من شن هجمات ضد تركيا. بالإضافة إلى ذلك، تشعر الحكومة التركية بأن المزيد من الحكم الذاتي الكردي في سورية سيدفع ب 14 مليون كردي في تركيا للمطالبة بقدر أكبر من الحكم الذاتي في المناطق ذات الأغلبية الكردية في تركيا. بحسب القوميين الأتراك، إِدراج هذه القضية الحساسة يهدد بتقويض وحدة أراضي الجمهورية التركية، الأمر الذي سيؤدي إلى تشكيل دولة كردية مستقلة في جنوب شرق تركيا.
تركيا قادرة على ممارسة حقها في ملاحقة حزب العمال الكردستاني داخل سوريا، إذا لزم الأمر “، هدد رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان.ينقل- باتريك سيل – تخمينات في وسائل الإعلام التركية أن أنقرة تفكر بحملة عسكرية في شمال سورية لإنشاء “منطقة عازلة” حيث يتمكن الجيش التركي من هزيمة المسلحين الكرد وإنشاء منطقة عازلة للجيش السوري الحر لمواصلة شن الحرب ضد نظام الأسد.
خلافا لتركيا، تدعم الحكومة العراقية نظام الأسد. وكان العراق واحدا من ثلاثة أعضاء في جامعة الدول العربية رفض التصويت لصالح تعليق سورية من المنظمة. يخشى رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي من أن استيلاء السنة في سوريا، وخاصة بقيادة المتطرفين الإسلاميين ، يمكن أن يلهب حماس الحركات السنية المتشددة في العراق مجددا (وذلك يشمل الجماعات التابعة لتنظيم القاعدة) و تنعش عزمهم على تدمير النظام الشيعي التي ظهر في حقبة ما بعد صدام، خاصة بعد انسحاب القوات الامريكية العام الماضي.
تشارك بغداد أنقرة الأهتمام في منع كرد سورية من الحصول على دولة تتمتع بحكم شبه ذاتي على طول الحدود مع تركيا وكردستان العراق. تزداد حدة التوترات بين بغداد وكردستان العراق – يتعلق الخلاف أساسا حول ملكية نفط كركوك، بيع واشنطن مقاتلات ف 16 إلى بغداد، المواجهات الحدودية – يخشى العديد من المحللين مواجهة عسكرية تلوح في الأفق بين حكومة العراق المركزية وحكومة إقليم كردستان. يمكن أن يضعف موقف العراق في مواجهة كردستان العراق إذا كان هناك حليف جديد لحكومة إقليم كردستان العراق في كردستان سورية. في 23 تموز، أكد برزاني أن حكومته قد دربت اللاجئين السوريين الكرد في شمال العراق.
لكن العلاقة الثلاثية بين حكومة إقليم كردستان ، الحكومة المركزية العراقية و تركيا ستحد من قدرة برزاني لدعم كرد سورية في سعيهم لمنطقة الحكم الذاتي. بينما تسوء العلاقات بين أنقرة وبغداد ، والمتعلقة بشكل رئيسي بسبب الرهانات المتعارضة في سورية و توسع العلاقات السياسية والاقتصادية بين تركيا وحكومة برزاني، فالتحالف السني بين تركيا وكرد العراق قد يكون ذو قيمة متزايدة لبرزاني عندما يكون هناك تهديد قادم من بغداد. بلغ حجم التجارة بين تركيا وحكومة إقليم كردستان 4.5 مليار دولار في النصف الأول من عام 2012.
لذا مخاصمة تركيا سيترتب عليه تكاليف اقتصادية خطيرة لبرزاني. في الأول من آب، اجتمع وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو مع برزاني في أربيل لمناقشة الوضع في كردستان سورية. اتفق الزعيمان على أن ” أي محاولة لاستغلال فراغ السلطة من قبل أي منظمة أوجماعة تنهج العنف سيعتبر تهديدا مشتركا، و سيتم التعامل معها بطريقة مشتركة” أكثر من ذلك ، إذا سيطر حزب العمال الكردستاني على السلطة في كردستان سورية سيواجه برزاني معضلة صعبة ، لأن دعمه لحكومة شبه مستقلة موالية لحزب العمال الكردستاني في كردستان سورية سيعرض يدون شك علاقته مع تركيا للخطر. في حين أن معارضة المزيد من الحكم الذاتي الكردي في سورية سيضع برزاني في وضع حرج و هذا ما يرغب به المالكي .
من المؤكد أن إسرائيل متحمسة لفكرة تقسيم سورية، خصوصا إذا كانت هناك منطقة غنية في الموارد النفطية تقع خارج نطاق سيطرة دمشق ‘ أكثر من ذلك، فإن إسرائيل ستكون فرحة برؤية الأقلية الكردية في إيران يستلهمون من نظرائهم السوريين و يطلبون المزيد من الحكم الذاتي، أو ربما الاستقلال من الجمهورية الإسلامية. في حقيقة الأمر، مثل حزب الاتحاد الديمقراطي، فإن معظم الجماعات الكردية المسلحة في كردستان الإيرانية كحزب الحياة الحرة الكردستاني (بيجاك)، هي مجموعة تابعة لحزب العمال الكردستاني.
مما لا شك فيه، سيكسب حزب العمال الكردستاني الكثير من حكم ذاتي كردي متزايد في شمال سورية. حزب الاتحاد الديمقراطي الذي شكله صالح مسلم محمد في عام 2003، حافظ على علاقات وثيقة مع حزب العمال الكردستاني. يصنف العديد من المحللين الحزب كواجهة سياسية لحزب العمال الكردستاني. حذر حزب العمال الكردستاني في حال أن الجيش التركي غزَا كردستان سورية لاستهداف المقاتلين الكرد، فإنه سوف يحول ” كل كردستان الى منطقة حرب” لكن لا يحظى حزب العمال الكردستاني بالدعم من قبل الجميع في شمال شرق سورية. يشكل الكرد فقط 30-40 في المئة من السكان على طول أجزاء معينة من الحدود التركية ، و كانت العلاقات متوترة مع القبائل العربية في التاريخ الحديث.
تحديات على طرفي الحدود
بالرغم من نجاح كرد سورية في الأستفادة من الحرب الأهلية السورية للحصول على الحكم الذاتي، فإن الكثير من المتغيرات الشائكة ستحدد مستقبلهم. هل ستقبل القبائل العربية في شمال شرق سورية بشكل سلمي السيطرة الكردية كأمر واقع ؟ و هل الأسد أو الجيش السوري الحر سيقبلان أيضا بمنطقة حكم ذاتي كردية في حال إنتهاء الحرب الأهلية؟ إذا غزت تركيا كردستان سورية، هل ستقف حكومة برزاني بصف نظرائه الكرد، أو أن الضغط الاقتصادي سيغريه و سيجعله يقف على الحياد؟
حتى أن الحزب الإسلامي الحاكم في تركيا يدرك بأن الشرق الأوسط هي منطقة صعبة فهو اتبع سياسة خارجية مبنية على”لا مشاكل مع الجيران”و ربما قد يندم يوما بسبب لعبه دورا في تقويض نظام الأسد. بالرغم أن الإطاحة بالأسد وصعود نظام سني موالي لتركيا في دمشق يمكن أن يوسيع نفوذ تركيا في الشرق الأوسط الجديد، لكن ما هو الثمن الذي سوف يدفعونه لهذه القوة الإقليمية الأكبر؟
فكما أن حروب الخليج لعام 1991 و 2003 مهدت الطريق لقيام دولة كردية تتمتع بحكم شبه ذاتي على الحدود التركية مع العراق، فإن “الربيع العربي” في سوريا من المرجح أن ينشأ عنه واحدة آخرى على طول الحدود مع سورية. على الرغم أن الحكومة التركية مصممة على أن إسقاط الأسد سيعزز من مصالحها، لكنها قد تضطر الى قبول الملاذ الآمن لحزب العمال الكردستاني على طول الحدود السورية كنتيجة لا تريدها لأن دورها سيزيد من عسكرة النزاع في سورية.
– جورجيو كافيرو –

Who Will Govern Syrian Kurdistan?



شاركنا الخبر
أخبار ذات صله

التعليقات مغلقة.
فيسبوك
%d مدونون معجبون بهذه: