محرك البحث
هل بدأ ترسيم سورية «المفيدة لإسرائيل» ؟
صحافة عالمية 22 يوليو 2017 0

لعلّ السوريين، ومعهم العرب المتابعون مراحل الثورة الأخيرة، يترحمون على زمن الانقلابات العسكرية عندما كانت عملية عزل الرئيس وحاشيته تتطلّب ثلاث مدرّعات تحتل دار الإذاعة في دمشق بانتظار «البلاغ الرقم واحد» الذي يصدر عن قيادة الانقلاب باسم الشعب، مع إعلان البشرى بأن القيادة الجديدة ستطهر الدولة من الحكام الفاسدين لإطلاق الحريات العامة وإعادة الديموقراطية والقانون والأمان والرخاء، من دون إغفال تأكيد العزم على استنهاض الأمة لتحرير فلسطين، على أن تعود قيادة الانقلاب الى الثكنات بعد أن تطمئن إلى قيام حكم مدني باسم الشعب!
ذلك التاريخ السوري الطويل الذي بدأ مع الانقلاب الأول عام 1949 لم يتوقف بعد، وقد مضت ثمان وستون سنة على الشعب السوري الذي تتبدل أجياله ولا يتبدل حكامه ولا نظامه، لكنه في هذه المرحلة بلغ نقطة الفصل بين زمن حافل بالنكبات والنكسات، وزمن جديد بدأ منذ نحو سبع سنوات بثورة عفوية، لكنه لا يبشر بانفراجات، بل إن المستقبل ينذر بأخطار ليس أقلّها «تشطير» سورية.
هذا الواقع يعطي البرهان على أن «المؤامرة» هذه المرة ليست بدعة، بل هي حقيقية ثابتة مركّبة، بدءاً بتفاصيلها الصغيرة في تونس حيث كانت في ذلك اليوم (17-12-2010) عربة فواكه يدفعها شاب بائس في ضاحية «سيدي بو زيد» المحاذية للعاصمة التونسية. وكان الشاب الضحية (محمد البوعزيزي) ينادي على «المانغا» أو «الغوافا» عندما أوقفته شرطية بلدية وطلبت منه الرخصة وهو لم يكن يملكها، بل إنه كان تلقى أكثر من إنذار لاستخراج رخصة، ولم يستجب، وما كان من الشرطية إلا أن صادرت الميزان المحمول على العربة فثار البائع البائس ودخل في نوبة هستيريا، ثم سكب مادة حارقة على ملابسه وأشعل فيها النار، وتوفي متأثراً بحروقه.
هذه التفاصيل معروفة ومكررة في الإعلام العربي والعالمي، وما كانت لتأخذ أهمية سياسية وإنسانية تتعدى تونس إلى الخارج لو لم تتشكل تظاهرة عفوية في تلك الضاحية ثم تمتد إلى العاصمة التونسية فلا تُقابل بالعنف العسكري المعتاد. بل إنها استقطبت جماهير منظمات وأحزاب معارضة. ولم تمض ساعات ذلك النهار حتى كانت تونس والمحافظات قد انخطرت في إضراب شامل وتظاهرات متنقلة، وراحت قيادات القوى الأمنية تخفف وتيرة الاصطدام مع الأفواج المتزايدة في الساحات العامة. وخلال تلك الساعات كانت القيادات السياسية، ومنها المشاركة في الحكم، تجري مشاورات تعدّت النطاق الداخلي إلى الخارج الأوروبي، فيما كان رئيس الجمهورية زين العابدين بن علي مُحاصراً في «قصر قرطاج»، والمرجح أنه وجد نفسه معزولاً ولا سند له في الداخل، ولا في الخارج. وفي تلك الساعات، تمت إجراءات ترحيله مع أسرته وطاقم خدمته في طائرة خاصة إلى عاصمة عربية، واكتسبت تونس لقب «فاتحة الثورات العربية».
إذا صحّ أن ما حصل لزين العابدين بن علي كان مؤامرة، فالنتيجة تجعلها «مؤامرة مفيدة». ثم إذا كان ما حصل بعد ذلك مباشرة في ليبيا مؤامرة، حيث سقط معمر القذافي قتيلاً، وتفككت «جماهيريته الوحدوية الشعبية الديموقراطية» فإن «المؤامرة مفيدة» أيضاً، وكذلك الأمر مع الرئيس المصري السابق حسني مبارك، وإن كانت مصر قد دفعت غالياً ثمن تسليم الرئاسة إلى «الإخوان المسلمين» قبل أن تعود وتؤول إلى المشير عبدالفتاح السيسي.
لكن، كان على «المؤامرة» أن تتجه شمالاً نحو سورية حيث النظام أكثر من «ديكتاتوري». وهناك وجدت المؤامرة مناخاً نقياً، نظيفاً، صادقاً، شجاعاً، بريئاً، طموحاً ومهيئاً للتغيير الوطني والديموقراطي.
كانت أفواج فتوّة محافظة «درعا» في الجنوب السوري بانتظار إشارة تحرّك نحو التغيير السلمي المدني. وفي البدء، لم يظهر السلاح، كما حدث في مناطق أخرى كانت تدربت على الانضباط تحت شعارات وطنية وقومية تمجيداً لسورية والعروبة والنخوة التي لا تغيب فيها الهتافات لفلسطين الشهيدة في ذمة الحكومات والجيوش العربية التي سُخّرت لتجميد الحاكم… لكن النظام لم يكن ليتحمل ذلك المدى من الحرية الذي بلغته التظاهرات الطالبية. ولأن لا صوت يعلو قبل صوت النظام، سالت دماء فتية درعا، وكان على الأهل والمنظمات الشّبابية أن ترد على السلاح بالسلاح، وصار الدم حبر الكتابة على الجدران: «ليسقط القاتل ولتنتصر الثورة…» فسرى اللهب في هشيم الصمت والكبت، وتحوّلت التظاهرة طليعة ثورة، وراحت هتافات «درعا» تعمّ المدن والسواحل والأرياف والبوادي، كأنما روح من ثورة جبل العرب بمواجهة الجيوش الفرنسية عام 1925، قد استيقظت وراحت تنتشر.
لكن النظام لم يكن وحيداً. وسورية ليست تونس، ولا ليبيا، ولا مصر. فهناك روسيا، وهناك ذئب الكرملين فلاديمير بوتين الذي كان أصيب بجرح معنوي وسياسي ومادي كبير بإبعاده عن المشاركة في الحرب على نظام القذافي، وعن الغوص في آبار النفط والغاز، وفي أرقام بلايين الدولارات المجمّدة في البنوك الأوروبية والأميركية، والبلايين الأخرى المسيّلة في عقود شركات صناعات الطائرات الحربية، والمدنية، والشخصية، كما في عقود بناء القواعد البحرية والمشاريع الإنشائية الوهمية. وهل ينسى الليبيون خرافة شق «النهر العظيم»، وهو أسطورة ذلك «القائد الملهم» الذي لم يكن سوى خيال صحراء في خيمته الشهيرة التي استقطبت رجال دول كبيرة وصغيرة كانوا يتقنون فنون المراوغة والخداع؟
كل ذلك كان في جانب، وفي مرحلة عبرت، وسورية اليوم في جانب آخر وعالم آخر، كأن كل ما حدث وما حصل كان تحضيراً لحرب سورية التي دخلت سنتها السابعة كأنها لا تزال في البدايات، وعلى مسافات من الحلول، وقد تحول «الائتلاف الدولي» من أجل سورية مع ما يتبعه من حاملات طائرات وقواعد بحرية وجوية وأساطيل وغرف عمليات، شبيهاً بمخيم كشافة استطاب أركانه المقام في أجواء المنطقة وعلى سواحلها، فيما الذئب الروسي في الكرملين يراقب حساباته على أن سورية تحت يده، وقرارها عنده، والأمر له، ثم بعدما استنفد النظام السوري مئات المذكرات والطروحات وأوراق العمل ومشاريع الحلول التي أعدتها تنظيمات المعارضة المدنية والقيادات العسكرية المنخرطة في الثورة وعرضتها، وبعد دمار المدن والأرياف ومصانع الإنتاج، وبعد استشهاد مئات الألوف من السوريين، عدا المعوقين والمفقودين، وبعد نزوح نحو خمسة ملايين سوري وسورية إلى أصقاع الأرض، يقف المبعوث الدائم للأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا في نهاية الجولة السابعة لمؤتمر جنيف بكامل أناقته وابتسامته يوم 11 تموز (يوليو) الجاري ويعلن أن المؤتمر سيعقد أربع جولات في الأشهر المتبقية من العام الحالي لمتابعة البحث في مشروع «الدستور الجديد» لسورية مع وفد النظام ووفد المعارضة!
لكن كل هذه التفاصيل، وكل ما أصاب الشعب السوري خلال السنوات الست الماضية، في جانب، وما حصل بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قمة مدينة «هامبورغ» الألمانية يوم 7 تموز الجاري، في جانب آخر.
كانت قمة القطبين: الأول رئيس أميركي متدرب، والثاني خرّيج مدرسة الاستخبارات السوفياتية (كي.جي. بي) كتوم، ورجل مهمات ومؤامرات، وكانت ورقة العمل التي أعدّها خبراء من الجانبين، وتم الاتفاق عليها، تتضمن خطة وقف النار على جبهة الحدود بين سورية والأردن والجولان المحتل، حيث ترابط القوات الإسرائيلية.
لكن الخبراء العسكريين، والاستراتيجيين، يلاحظون هدفاً آخر للاتفاق الثنائي الأميركي – الروسي، بمعزل عن الشعب السوري ونظامه، وبالتفاهم إسرائيل والتعاون معها. أما الهدف، كما بات معلناً، فهو وضع حاجز استراتيجي في وجه زحف عسكري إيراني محتمل عبر الأراضي العراقية إلى الحدود السورية – الأردنية المشتركة… (هذا مع الأخذ في الاعتبار أن إيران ليست عدواً لإسرائيل).
هكذا، تكون الدولتان العظميان، بموافقة الدول الكبرى الأخرى، وفرتا الضمانة والحصانة والأمان لإسرائيل. أما سورية فموضوع آخر. وبعد مضي نحو سبع سنوات على حربها لا تبدو في الأفق الدولي مؤشرات إيجابية إلى إيجاد حلّ لمحنتها. لكن، قد يكون هناك مشروع حل يندرج تحت عنوان بات متداولاً. وهو مشروع «سورية المفيدة»!
لكن «سورية مفيدة» لمن؟ لشعبها؟ لبني قومها؟ لجيرانها؟ لأهلها؟ أم لإسرائيل؟ تساؤلات مشحونة بالقلق من أن تكون هذه الحرب استنفرت طواغيت الأرض ودفعت بها إلى جنائن الفيحاء لتجعلها خراباً وسواداً لتنام إسرائيل قريرة العين.



شاركنا الخبر
أخبار ذات صله

التعليقات مغلقة.
فيسبوك
%d مدونون معجبون بهذه: