محرك البحث
وقفات مع رواية بروين لعبد الباقي يوسف
آراء وقضايا 12 أكتوبر 2022 0

كوردستريت || متابعات 

  محمد قراني /  ناقد سوري

 

   تجسيد الاندفاعات العاطفية للجسد

إن احتفاء عددٍ كبير من الكتّاب بالجسد، والوقوف على اندفاعاته العاطفية؛ سلباً وإيجاباً، جعل النصوص تفيض بوصف لحظات الإثارة والمتعة والنقاء والدنس والحب والابتذال والثرثرة، فبدت الشخصيات منتشية حالمةً، وهلعةً مهزوزةً ،

فـشخصية ” هالة ” في رواية بروين لعبد الباقي يوسف، بدت منقسمةً بين جسدها وحياتها الزوجية، كما انقسم جسدها قسمين؛ قسم للزوج ، وآخر للعشيق ، وهي في كل انقساماتها منحازة إلى الجسد، لاعتقادها بأنه الوسيلة الوحيدة لتحقيق الذات.

وتلعب المعايير الاجتماعية إلى جانب التربية المنـزلية دوراً هامّاً في إصابة الأنثى بالعقد النفسية، فـ ” بروين ” إحدى الشخصيات الرئيسة في الرواية التي تحمل عنوانها، تصاب بالإحباط لمنعها من الزواج ممن تحبّ، وتؤدّي بها الحالة النفسية إلى ما يشبه الجنون، فتندفع لارتكاب جريمتها الكبرى، إذ تقدم على حرق المنـزل وأهلها في داخله.

في رواية ” بروين يغدو الجنس هدفاً بالنسبة لبعض الشخصيات الروائية ، وتبرز أمامنا على البياض أشكال الأعضاء التناسلية غافية ومهتاجة. لكل من ” هالة ” و ” السارد ” الفحل الذي يفحّ: ” تمدّ يدها إلى عضوي. تقول: هذا لي. لهالة، هاهو ينهض على هالة مثل حصان كما اعتدته. دعه يخترق معدتي وكبدي. دعه يقبّل زهرةَ هالة، ويمزّقها. ألم يحنُّ لزهرتي ؟. . تأخذني في حضنها. تمسك برأسه، وتدسّه في عتمة الوردة.. . ” ص (22).

إن إدمان الكاتب على دراسة الجسد ولغته، ووظائفه، جعله يستغرق في البحث عن مواطن الإثارة، والوقوف على خفايا العلاقة الطبيعية والشاذة، والشرعية منها والناشزة، فـ ” هالة ” ارتبط وجودها في الرواية بالجسد، والهوس الجنسي، وقد واجهت العنت في جميع علاقاتها الذَكَرية. ليس على صعيد الأسرة فحسب، وإنما على الصعيد الاجتماعي بأسره. بدءاً من الطبيب الذي تعمل ممرضةً في عيادته، حيث اغتصبها، فحملت منه، ثم ساعدها على إسقاط الجنين ” وأصبح الطبيب يداوم على هذه الممارسة معي… لقد أحالني إلى عاهرة ” ص (90) . ومروراً بالأب الذي أرغمها على الزواج ممن لا تعرف ولا تحبّ:

ولكني لم أره.

قال: عندما يتزوّجك سترينه جيداً ” ص (93)

وانتهاء بالزوج والعشيق، حيث عاملها الأول معاملة غير إنسانية. أذهلها عن نفسها حين أخذ يمارس معها الفعل الشاذّ منذ لحظة الزفاف الأولى، وحتى نهاية العلاقة، فغدت مجرّد بؤرة لتفريغ الجنس، ولكن بطريقة شاذة، تُرضي نزعة الذَكَر الذي لم يعبأ بمشاعرها العاطفية:

قلت: لا يا بشير. . ستؤلمني… ولم أحسّ إلاّ بحيوانه بين فخذي…

هربتُ من الفرشة، و نمت في المطبخ. . لكنه جاء في اليوم التالي، وضاجعني في المطبخ بذاك الأسلوب. . ” ص (92).

   بين الجسد والحب

إن قوة الذَكَر تتصاعد. إذ يتمادى في شذوذه، وفي مقابل تمادي الزوج في طغيانه، تجد الزوجة نفسها منبوذة مستصغرة، لأن ” بشير ” يرى: ” النسوان مثل الأحذية بالنسبة للرجل. كلما اهترأت، وجد البديل. ” ص (20) لذلك تحافظ على علاقتها السرية بالطبيب، وتتعاطى – من أجل ذلك – حبوب منع الحمل. .

إن علاقةً زوجيةً تقوم كهذه تكون نتيجتها التفكّك، فتغدو علاقة ذَكَرٍ عبدٍ لشذوذه، بأنثى مستضعفة، تستكين إلى قدرها .

والثاني العشيق الذي توخّت أن تعوّض بعلاقتها معه ما افتقدته في الزوج، لكنها ما إن أنست إلى جسده، حتى وجدته يميل إلى غيرها، فيملّ من جسدها، ويطردها، مستعملاً معها القوة، لذلك أخذت تتذلّل إليه، وتسترضيه. تريق أمامه ماء وجهها، بعد أن أراقت، في أحضانه، كرامة جسدها:

أنتِ الآن. ماذا تريدين مني ؟. . كفى. لقد ضاجعتك في الأيام الماضية وانتهى كل شيء. هل كُتب عليّ أن أضاجعك إلى الأبد ؟ ” ص (20)

” أيّ شيء آخر تريد وسأقدّمه لك. . سأسرق. . سأتسول. . سأعمل. . سأبيع ثيابي وأغراض بيتي. . أرجوك كن لي. . اضربني. . اشتمني. . شدّ شعري بقسوة. . اصفعني بعنف. . ضاجعني. . أنا كلبتك. . ” ص (21)

” – اخرسي يا هالة.

-… .

– قردة وابنة (قردة) ...

كنت أعرف بأنك تعاملني كزانية. لكن لن أتركك. سأفضحك وأنتحر.. “

رفعت رأسها تنظر إلي بعينين دامعتين والدم الأحمر ينـزف من فمها” ص (22)

تبدو ” هالة ” أنثى مهزوزة الشخصية، تجسّد همّها الكليّ بجسدها، ولكن من خلال امتهان وابتذال أكّد أنها كانت بغير مشروع، مما أوقعها في مشكلات لانهاية لها، فهربت لعلها تجد خلاصاً، لكنها لم تكن تحسب ما يمكن أن يؤول إليه هربها، وأنها لم تهرب إلى من يساعدها على رفع الظلم البطريركي عنها. الأمر الذي جعل منها أنموذجاً حادّاً للضياع الأنثوي بسبب استضعافها من جهةٍ، واستكانتها من جهة ثانية، إذ تتكالب الذكورة المستفحلة على جسدها، حتى إذا ما شبعت منه نبذته، وهذا ما شعرت به، حين وجدت العشيق يعاملها كزانية، وهذا من شأنه أن يحوّلها إلى جسد ممتهن منبوذ (قردة، وابنة قردة) تفقد فيه قيمته (اللّذية) بعد أن فقدت قيمتها الإنسانية لدى الزوج، الذي (يبدّلها كما يبدّل حذاءه المهترئ).

لقد حاولت ” هالة ” أن تتخلّص من ضعفها أمام الذكورة، وأن تخلّص جسدها من امتهان جديد، وذلك بالاحتجاج الواهي على قرار أبيها بأنها لا تعرف الزوج الذي سيربطها به، لكنه كان احتجاجاً سلبياً يائساً، وهي إذ أبدت اعتراضها على نعتها – من قِبَل العشيق – بالقردة، إلاّ أن ذلك أيضاً لم يرقَ إلى مستوى الاحتجاج والتمرّد، مما جعلها تنهار أمام جبروت الذَكَر، وتلخّص رؤيتها الحيوية كلها في (بؤرتها الجسدية الجنسية) فتنبري تستجدي العشيق بدموعها، وتستعطفه بعبارات مبتذلة، انهالت بعدها عليه تقبّله في كل موضع من جسمه، وتتوسّل:

“. . أنسيت كيف كنت أمنحك جسدي، وتفعل به ما تشاء ؟. ” ص (21)

وهي بهذا التذلّل للعشيق. تظهر مدى الضعف الأنثوي المستحكم في نفسها. إضافة إلى معاملة الاستضعاف والدونية التي عاملها بها كل من الذكر/ الزوج، والعشيقان: الأول والثاني. ومن ثم. . تحرّش عمها / والد زوجها بها، كما سيمرّ في العلاقة الزوجية المتفككة – كل ذلك أدى بها إلى الهروب والضياع واختفاء الأثر، غدت معها لغة الجسد غير ذات جدوى.

التحليل النفسي للاندفاعات الجسدية في رواية بروين 

تتلاقى ” بروين ” المقيمة في (الحسكة) أقصى الشمال الشرقي في سورية، بعد أربعين عاماً، مع ” ليلى سليمان ” ابنة (حوران) في أقصى الجنوب الغربي السوري، في أخلاق المجتمع الريفي، ومنع الفتاة من الاقتران بمن تحبّ، وأخذها بالشدة والعنف، وفرض الاستسلام والطاعة، وإكراهها على قبول ابن خالها ليكون زوجها، تحقيقاً لمنفعة مادية، ولهذا تصاب بعطالة فكرية وجسدية، وتتضخّم أطراف الصراع في نفسها، وتزداد رغبتها في الحرية مسايرة لمعطيات عصرها، وترفض الوصاية، والمتاجرة بعواطفها، ولهذا تمتّعت بميزات الشخصية النامية، التي حاولت – على الرغم من ضعفها – تحطيم القيود المفروضة على الأنثى، وكسر الحاجز النفسي بين سدنة التقاليد، ورغبات الجيل. 

لقد جسّدت الرواية غياب الروابط الشعورية واللاشعورية، بين الجيل القديم الذي تمثّله معظم الأمهات والآباء، وبين الجيل الجديد الذي تمثله ” بروين” و” راوية ” في رواية ” شموس الغجر ” وسواهما من الإناث العاملات، والمثقفات اللواتي يغلب عليهن تفجّر المشاعر بالقلق الوجودي، والغربة، والوحدانية، داخل المجتمع الجديد، حيث (الأنا الأنثوية) تغامر في سبيل اكتشاف العدم الذي تحسّ أنه يذيب شخصيتها، مما يولّد لديها الشعور بفشل التواصل الخارجي، الذي يضعها في مواجهة القلق والعدم والموت، فتنتهي إلى حالات مأساوية، هي أقرب إلى الأزمات والضياع والتيه، وأبعد ما تكون عن الأمل والعطاء والتفاعل الإيجابي المثمر.

إن ” بروين ” ومجموع الشخصيات الأنثوية التي تتشابه معها في الأحوال الاجتماعية والثقافية، تعبّر من خلال سيرتها الروائية عن تطلعات في الخلاص من القيود الأسرية التي تعيق من انطلاقها إلى جيلها وعصرها، وتبرز معها ثلة رافضة (لميكانيزمات) الركود الاجتماعي الموروث، ومعبّرة عن احتجاجها وسخطها على الوضع الراهن.

ففي ” يروين ” يتعلق الشاب / السارد بـ ” بروين ” الأنثى القريبة البعيدة، ولا يصل إليها، فتسيطر عليه بكيانها، وتجثم في مخيلته ليصوغ منها أنموذجاً فريداً من الجمال العلوي المقدس الذي لا يرتقي إليه جمال إنساني، فيناجيها وهي مكتسية، لا عارية، كل لحظة من لحظات العمر.

” إذن لماذا لا تشبهين نساء العالم، أأنهض وأطفئ الضوء. أتحبين الألوان الخمرية الخافتة ؟. أتستحمين بنور مخملي. . حدّثي الأشياء. . حدّثي الباب. . النافذة. . الستائر. . الجدران. . يأتي العاشق…

انهضي أيتها القديسة، ودوسي بقدمك المباركة على عضلة قلبي. . دوسي كما تدوس القديسات في زوايا الكنائس الصامتة… . أي صمت برويني ثري يملأ الغرفة.

.. . أبدعي أيتها المرأة الرحيمة. أبدعي يا طفلة الذئاب الجبلية برونيدمى. . دعيني أنظر إلى بنطالك الأسود الفاقع. . إلى قميصك الأبيض. . انهضي. . مارسي كل حركات عارضة أزياء خجولة. . وأنظر. . وأنظر… إلى ما لا ارتواء. . وأنت واقفة سأنظر. . وأنت جالسةسأنظر. وأنت غائبة سأنظر. . وينساب شلال النظرات من قمة جبلمرتفع. .

بروين أتحبين الرقص ؟. ” ص (96)

وتمادى بطل رواية ” الزمن الموحش ” لـ ” حيدر حيدر ” في الاستغراق في قدسية الجسد / الجنس، حين لم يجد شيئاً مقدساً في الكون سوى جسد حبيبته، لذلك لا يفتأ يهتف ” جسدكِ كعبتي ” ص (231) وتستهزئ معظم شخصيات الرواية بالقيم الدينية ” ولا تتورّع عن التجديف على الله، وتنفي وجود خالق للإنسان، وتسخر من الأنبياء والرسل، ولا تقيم وزناً ” لتشريعات كانت تصلح للأعراب القدامى. . ” ص (137)

وقد عبّرت عن هذه الرؤية ” كليستان ” في رواية ” بروين ” التي اختزل فيها الجسد إلى مجرّد عضو للأنوثة، ووقفت عند مسألة نظرة الذكورة إلى الأنثى المادية البحتة، والتي لا ترتقي عن النظر إليها إلاّ من خلال الجسد الذي يتكثّف كله في ” بؤرة مندّاة ” وتدين الرواية هذه النظرة المادية، فـ ” كليستان ” الفتاة المثلية تقول للسارد ” أحدكم وهو يرى فتاة جميلة أول ما يخطر بباله انتهاك عذريتها، ولذلك يبحث عن وسائل أدبية لجلبها إلى الفرشة… هناك من يتزوج امرأة دون أن يراها، أو يرى صورتها، ويكتفي بإرسال أمه أو عمته لفحص فرجها، وإن كان الفرج سليماً قبل وإلاّ رفض…

المسألة تدور حول الفرج… لو كانت المرأة بدون فرج وبقيت كما هي الآن أنثى ألم يكن الموقف مختلفاً ؟ امرأة بدون فرج. . أو محرومةالفرج… أهي مرغوبة… وإن كانت ملكة في الحسن ؟… ” ص (64) .

في المجتمع المتخلّف تنحدر العلاقة بين الذكر والأنثى، في بعض الأحيان إلى الحضيض وتفقد خصوصيتها الإنسانية، فتتحول إلى علاقة تجارية تقوم على المنفعة؛ الجنس لقاء المال، في أسلوب لتسليع الجسد خارج نطاق الدعارة المنظمة، مما يوحي بدلالات اجتماعية من الفقر والكبت العاطفي، والرغبة في الممارسة مع الحفاظ على العذرية والسرية معاً. فالغجرية التي اخترقت وحدة ” السارد ” الشاب، في رواية ” بروين ” تجيد المداورة والمناورة، وتعرف كيف تثيره، وتساومه ثم تخدعه بالوقوع في فخ الجسد. ثم تسلب القطعة النقدية من يده، وتطلق ساقيها للريح بدربة متقنة.

فصل من كتاب: الستائر المخملية في الرواية السورية حتى عام2000–  محمد قرانيا

منشورات: اتحاد الكتاب العرب دمشق الطبعة الأولى2004

288



شاركنا الخبر
أخبار ذات صله

أترك تعليق

يجب عليك الدخول لترك تعليق.

فيسبوك

%d مدونون معجبون بهذه: