المثقَّف والسّياسي ( وظرفيّة التكامُل والتّناظر )

آراء وقضايا 21 ديسمبر 2014 0
+ = -

 

 

 

بقلم : شيركوه حسن 

 

كلُّ فردٍ هو مفكر، وبالتّالي فهو مثقف…………… الفيلسوف إنطونيو غرامشي . 

وفق هذا المنهج, إنَّ كلّ إنسان يقوم بنوع من النشاط الفكريّ الواعي هو مثقف, فالمثقفُ في الحالة العامّة هو من ألمَّ بشيء أو ظاهرة, عمد إلى الحفاظ عليها دون تضررها, أو دراستها منطقياً وأخلاقيا لاستخلاص رؤية جديدة, مستهدفاً تطوير الحالة من خلال الدراسة والتحليل المنطقي والواقعي, بالاستناد إلى مؤهلاته, وإمكاناته وفراسته التي تؤهله لاستقراء المستقبل, والتأثير في مجريات الظواهر والأحداث بما يتلاءم وخصائص مجتمعه, أو تلائم المجتمع معه على قاعدة تسخيرها أي الظاهرة أو الحدث لصالح المجتمع, وهي مهمة المثقف والمثقف النخبوي الملتزم بقضايا المجتمع تحديداً على مرِّ العصور . 

 

وهناك مستوى ثقافي يمتاز به كلّ فرد, ونود أنَّ نورد هنا مثال العامل الزراعي, الذي اكتسب ثقافة زراعية بسيطة تؤهله للحد من تضرر منتوجه, في حين أنَّ الخبير الزراعي بصفته متخصصا , والذي يمتلك المؤهلات والكفاءة, وثقافة زراعية تتجاوز ثقافة العامل الزراعي, ثقافة تؤهله إلى مستوى تطوير منتجه, وإجراء الاختبارات والتحاليل المخبرية اللازمة لتحسين نوعية ومضاعفة إنتاجه, متجاوزاً ثقافة العامل الزراعي المتواضعة, والتي اكتسبها من خلال عمله المتكرر في الحقل دون إن ينميها بمدارك معرفية من خلال إتباع دورات تثقيفية أو الاطلاع ومتابعة الدورات التي تهتم بالتقدم الزراعي وسبل تطوير المنتجات الزراعية, والغاية مما تقدم التأكيد بأنَّ كل من يمارس عمل معين وكل عمل يحتاج الى نشاط فكري هو مثقف بالضرورة, ولكن تختلف مستوى أو درجة الثقافة بين الأفراد, بالنظر إلى مجموعة عوامل ذاتية وموضوعية, تتعلق بإدراك الفرد وتحصيله العلمي وبيئته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية, ودرجة تحرر الفرد من القيود الملازمة للمجتمع, أو مدى تحرر المجتمع الحاضن لذلك الفرد من تلك القيود, ومدى امتلاكه القدرة على قراءة الظواهر المحيطة وتفسيرها وتحليلها على أسس معرفية وعلمية . 

 

إذا كان المثقف يهدف تطوير المجتمع ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً……., إلا أنَّ السياسيّ يهدف دوماً إلى السلطة والجاه, لذا يعمد إلى حسابات دقيقة ويتعامل بحذر ورهبة مع كل فكرة أو ظاهرة, تحدث للمجتمع خشية منه من إمكانية التعرض إلى صولجان سلطته, والتي هي مصدر قوته, فهو محافظ بحكم مكتسبات حصل عليها يخشى التغيير بكافة أشكاله, لأنّ نتائجها بالنسبة إليه غير مضمونة, فالحاضر بالنسبة إليه معلوم والمستقبل مجهول, لذا نراه يعتمد دائما إلى انتهاج منهج, ليس بالإمكان أفضل مما كان, فالحاضر بالنسبة إليه ممكن التعايش معه وأنَّه يقدم الأفضل, وأنَّ البديل الذي يعمد إلى الترويج له دائماً يكون الأسوأ, متعمداً ترهيب المجتمع من التغيير الغير محسوب من قبله, وطبعا وفق منظور مصلحته العليا, مبرراً أفعاله وأعماله وأحيانا عُطالتِه وجموده, معتمداً على أفكار البعض المنتفع من مثقفي السيوسلطان. 

 

وظيفة المثقف هو البحث عن الجديد, فهو يسعى إلى الحقيقة, وكشف قوى خلّاقة جديدة لإحداث تغييرات مستمرة على منظومة القيم والأفكار وصولا إلى حالة أفضل تتسم بالاخلاق, الحياة بالنسبة له سديمة, فهو لا يسعى إلى غايات شخصية, يميل إلى التحرر بطبيعته, بيمنا السياسي مقيد بمجموعة عوامل تحكم تصرفاته وأفكاره, رغم ذلك تبقى العلاقة بين المثقف والسياسي علاقة جدلية, فهي في المجتمعات المتقدِّمة, والتي تسعى أنظمتها وسياسيوها إلى تطوير مجتمعاتهم, تكون العلاقة تكاملية, حيث يقدم السياسي كافة التسهيلات والمستلزمات الضرورية, واللازمة لتطوير وتطبيق أفكار ونتاج المثقف, من خلال أبحاث علمية تخصصية أنشئت لتلك الغاية, فيتحول بذلك السياسي إلى لسان حال المثقف وواجهته إلى التطبيق العملي لتلك الأفكار, في حين يتحول المثقف إلى فكر ذلك السياسي في مؤسسته يرفده بالأفكار والنظريات والرؤى اللازمة لتطوير مجتمعاتها, في حين تكون العلاقة بين المثقف والسياسي في المجتمعات المتخلفة أو النائية علاقة ندّية تصارعيّة, وذلك لخشية السياسي من الأفكار, التنويرية للمثقف, وتأثر المجتمع بها وبالتالي الانقلاب على السياسي, والتعرض أو انتزاع مكتسباته, كونه أي السياسي, هو السبب بشكل أو بأخر في حالة التخلف التي أصابت تلك المجتمعات, كونه أي السياسي اختزل المجتمع وقضاياه المختلفة في شخصه أي شخصنة القضايا. أو في أفضل حالاتها عدم مساهمته في تغيير حالة المجتمع نحو الأفضل. 

 

إلا أنَّ المجتمع يبقى بحاجة إلى المثقف والسياسي, كيفما اتّسمت العلاقة بينهما سواء كانت تصارعية أو تكاملية, ووجود كليهما ضرورة, إلا أنّه يبقى الأخطر هنا عندما ينحرف المثقف عن أهدافه, وقيمه الأخلاقية ومهمته التنويرية والتطويرية في المجتمع, وخاصة المتخلفة منها والنامية, ليتحول إلى شريك للسياسي, يساهم في تشويه أفكار وقيم وأخلاق المجتمع, على قاعدة المنفعة الاقتصادية أو طمعاً في السلطة أو الجاه, فينحصر دوره في نسج قصائد المديح, وبيانات الرثاء, وإعلانات المناسبات, فاقداً نقائه وصفائه, ويتحول بذلك إلى براغماتي يبرر عجز السياسي, ويدافع عن أخطائه, لأنّه حينها يتحدث بحماس السياسي المقيد, لا بفكر المثقف المتحرر من كل قيد إلا الأخلاق, حينها وفي تلك المجتمعات تتحول النخبة المثقفة إلى حالة كسيحة أو مغيبة وغير فاعلة. 

 

مما تقدم وكوننا كشعوب كردستان, نتاج أمّة تبحث عن ذاتها المجزأة, بين مفاعيل ثقافة التجزئة ومكاييل سياسة الراعي والقطيع, يبقى التساؤل مشروعاً بذمة المثقفين والسّياسيين, أين نحن وأين يجب أن نكون, أم إنّنا وصلنا إلى مرحلة نقول, لا حياة لمن تُنادي !؟. 

آخر التحديثات
  • أتبعني على تويتر

  • تابعونا على الفيسبوك